في غياب دراسات الأمان..

ماذا يحدث إذا انهار سد النهضة؟

كتب: أحلام حسنين

فى: أخبار مصر

19:00 15 مارس 2021

 

بعد عقد من الزمان فشلت خلاله كافة جولات المفاوضات حول أزمة سد النهضة الأثيوبي ومحاولات الوساطة الدولية من أمريكا والبنك الدولي والاتحاد الأفريقي، وبينما تمضي إثيوبيا قدما نحو الملء الثاني، تتعالى التحذيرات من احتمالية انهيار السد في ظل غياب دراسات الأمان، ومن ثم غرق مصر والسودان.

 

ويفصلنا نحو 108 أيام عن بداية موسم الفيضان، والمقرر أن تشرع فيه إثيوبيا في الملء الثاني لسد النهضة، وهو ما يطرح تساؤلات عن دراسات الأمان التي كان على إثيوبيا تقديمها للتأكد من السلامة الإنشائية للسد وتجنب مخاطره.

 

هل السد آمن؟

 

تعتمد إثيوبيا في بناء سد النهضة على سياسية فرض الأمر الواقع، وهو ما حدث في إنهاء المرحلة الأولى من السد في يوليو 2020، وكذلك تأكيدها على المضي نحو الملء الثاني في يوليو 2021 رغم رفض الجانبين المصري والسوداني، ولكن ماذا إذا انهار السد؟.

 

 

لا تكتفي إثيوبيا بالتعنت في تنفيذ الملء، بل تخفي الكثير من المعلومات عن سد النهضة، وهو ما يثير الشكوك والتخوفات، لاسيما في ظل تحذيرات الخبراء من المنطقة المبنى عليها السد بأنها غير آمنة تماما ولا تتحمل مثل هذا السد الضخم، ورغم ذلك قررت إثيوبيا منفردة رفع السد من 11 مليار متر مكعب إلى 74 مليار متر مكعب

 

ومع اقتراب موعد الملء الثاني، تشير منظمة السدود الدولية إلى أن إثيوبيا لم تقدم أكثر من 8 دراسات لأمان سد النهضة كان عليها تقديمها، محذرة من احتمالية انهيار السد نتيجة غياب الشفافية وحجب المعلومات

 

وسبق أن كشفت وزارة الري والموارد المائية المصرية، عن أن هناك العديد من الدراسات التي لم تستكمل منها معرفة الآثار المترتبة على ملء وتخزين المياه واحتمالية انهيار سد النهضة، مؤكدة أن إثيوبيا لم تطلع مصر والسودان على الدراسات الفنية الخاصة بأمان السد.


وقد أكد الدكتور محمد عبد العاطي، وزير الري والموارد المائية المصري، إن القاهرة لديها مخاوف حقيقية بشأن سلامة سد النهضة الإثيوبي وطريقة تشييده، لافتا إلى أن الجانب الإثيوبي لم يقدم أي تقارير أو مستند ببناء السد بطريقة آمنة.

 

وبحسب عبد العاطي، في تصريحات تعود لشهر يوليو 2020 الماضي، فإن مصر تتخذ احتياطاتها للتعامل مع السيناريوهات المتعلقة باحتمالية انهيار سد النهضة.

 

 

مخاطر انهيار سد النهضة

 

وفي ظل غياب دراسات الأمان يحذر الخبراء من أن سد النهضة أصبح بمثابة قنبلة مائية يمكن أن تقضي على الحياة في السودان بالكامل، ويمكن للفيضان باندفاعه أن يصل من مرتفعات الحبشة إلى السودان ومصر ويزيل صعيد مصر بالكامل

 

 

وطوال الفترة الماضية كانت المفاوضات تشغل حيزا كبيرا من الحديث عن سد النهضة، إلا أنه من الملاحظ مؤخرا تطرق العديد من وسائل الإعلام إلى بعد آخر غير طاولة المفاوضات والوساطة الدولية، ألا وهو سيناريوهات انهيار سد النهضة

 

في العام الماضي عقب الملء الأول لسد النهضة، تعرضت السودان لفيضانات تسببت  في وفاة 103 أشخاص وهدم عشرات الآلاف المنازل، وتضرر أكثر من نصف مليون شخص، وفقا لإحصائية رسمية سودانية، فماذا إذا أمضت إثيوبيا في الملء الثاني؟

 

 

يقول خبير السدود الدولي أحمد الشناوي، إن كمية الملء الثاني لسد النهضة أكبر من المعلن نتيجة انهيار جزء من السد بعد الملء الأول، والذي تسبب في فيضانات السودان العام الماضي، موضحا أن الملء الثاني مقدر له 13 ضغف ونصف مليار.  

 

وأشار الشناوي، خلال مقابلة أجراها مع "سبوتنيك" إلى احتمالية انهيار سد النهضة وعدم تحمله كمية المياه المخزنة، وهو ما سيترتب عليه غرق مصر والسودان، بحد قوله

 

ويرى عباس شراقي، استاذ الجيولوجيا والموارد المائية في جامعة القاهرة، أن الخطر الأكبر من سد النهضة هو الانهيار الذي لا مفر منه، منوها إلى أن نسبة احتمالية انهيار السد تتجاوز الـ50%، وذلك لأن الطبيعة الإثيوبية بها أكبر فالق على مستوى العالم، وتحتوي على مناطق جبلية وانحدرات، وأمطار أشبه بالفيضانات والسيول وصخور وانجرافات ضخمة، مما يزيد من احتمالية انهيار السد

 

 

واستشهد شراقي، خلال تصريحات صحفية، بانهيار أحد المشروعات المائية في إثيوبيا بعد افتتاحها بنحو 10 أيام، وسد آخر قبل افتتاحه بأيام وتوفي فيه نحو 50 شخصا، محذرا من أنه في حالة انهيار سد النهضة ستحدث كارثة تدمر المنطقة، تسبب فناء السودان وغرق صعيد مصر

 

هناك 3 سيناريوهات لانهيار سد النهضة، بحسب شراقي، الأول انهياره بعد الملء القادم، والثاني انهياره بعد عام، والثالث بعد اكتمال عمليات الملء وتخزين 74 مليار متر مكعب من المياه أمامه، وفي حال السيناريو الثالث سيحدث ما يشه التسونامي المدمرن وستغرق السودان كاملة.


أما عن مخاطر انهيار سد النهضة على مصر، فيقول الخبير المائي إن السد العالي سيحتجز نحو 140 مليار متر مكعب من المياه، وفي حالتدفق المياه القادمة من التسونامي ستقوم الحكومة المصرية بفتح مفيض توشكى لاستيعاب المياه الزائدة، وفتح قناطر فارسكور لتصريف المياه في المتوسط، مما يخفف الخسائر، بينما تظل أراضي طرح النهر عرضة للغرق.

 

ما الحل؟

 

وأمام احتمالية انهيار سد النهضة وما ينتج عنه من مخاطر، يبقى التساؤل عن الحلول الممكنة لمواجهة هذه المخاطر، وماذا يمكن أن تتخذه كل من مصر والسودان الفترة المقبلة لحماية شعبهم؟.

 

من جانبه رأى الدكتور محمد نصر علام، وزير الري الأسبق، أنه على مصر أن تعلن رسميا بأن التعلية الانشائية للجزء الأوسط من السد قبل التوصل لاتفاق قانونى ملزم بين الدول الثلاثة، يمثل اعتداءا صريحا على الدولة وأمنها القومى، وأن الدولة ستتخذ الاجراءات اللازمة لحماية شعبها وأمنها وحقوقها.

 

وأكد علام أن الملء الثاني لسد النهضة يمثل خطورة كبيرة لحياة المصرين والسودانيين، محذرا من أنه بعد الملء الثاني ستصبح السودان مهددة بالغرق في حالة انهيار السد، محذرا من إصرار إثيوبيا وتعنتها في الملء الثاني بدون اتفاق قانوني ملزم، وما يمثله من تهديد صريح للأمن القومي لمصر والسودان.

 

 

وأضاف :"استمرار أثيوبيا فى رفض الوساطة الدولية فى مباحثات سد النكبة الأثيوبي، وإصرارها على استمرار المفاوضات الثلاثية بدون وسطاء وبالرغم من فشلها خلال العشرة سنوات الماضية، ومنهم سنة تحت رعاية الاتحاد الأفريقي".

 

وتابع :"ومما يزيد الطين بلة، إصرار إثيوبيا على تعلية الجزأ الأوسط من السد وتخزين المرحلة الثانية، بالرغم من عدم التوصل لأى اتفاق قانوني ملزم بين الاطراف الثلاثة حول قواعد الملء والتشغيل، وبالرغم من عدم تركيب الجانب الأثيوبي للتوربينات لتوليد كهرباء ولا يوجد أى عائد فنى أو اقتصادى من هذا الملء".

 

وقال الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني إنه لابد من معالجة حاسمة وسريعة لأزمة سد النهضة، والتدخل فورا لدى مجلس الأمن الدولي لطلب إيقاف بناء السد لحين تقديم الدراسات اللازمة حول أمان السد.

 

وأضاف الميرغني، عبر حسابه على موقع فيس بوك :"لا تستهينوا بالكارثة التي تحاصرنا، يجب مخاطبة الشركات الدولية التي تتولي البناء سواء الشركة الإيطالية التي سبق لها بناء سدود انهارت أو الشركة الالمانية الموردة للتوربينات"، مشددا على ضرورة التحرك القوي والسريع على مستوى الحدث.


ويشير الدكتور الخبير السوداني أحمد المفتي، أستاذ القانون الدولي، إلى أن مصر والسودان يملكان ورقتين في غاية الأهمية إن أحسنا استخدامهما، للسيطرة علي جولة التفاوض القادمة بقيادة الاتحاد الأفريقي ودعم اممي.

 

ويوضح المفتي أن الورقتين هما "قيام السودان ومصر بالانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997، لأن المادة 3 منها تعترف بالاستخدامات السابقة، والمواد من 11 إلى 19 تنص على الإخطار المسبق".

 

ويضيف :"الورقة الثانية هي مطالبة جمهورية الكنغو  رئيس الاتحاد الأفريقي حاليا، بقيادة مبادرة لوقف أنشطة اثيوبيا في سد النهضة، والعودة إلى اقتراح السودان بتوحيد الرؤى حول اتفاقية عنتبي، والذي أيدته مصر، وذلك إلى وزراء مياه دول حوض النيل".

 

 ورأى المفتي بضرورة رفع الأمر إلى مجلس الأمن لإيقاف أي نشاط أثيوبي في سد النهضة لحين التوصل إلى اتفاق ملزم، والتوثيق والنشر لدى كافة الجهات الدولية والإقليمية بأن أثيوبيا قد انتهكت كافة التزاماتها، بموجب إعلان مبادئ سد النهضة لسنة 2015، خاصة بموجب المبدأين 5و 8 ، وأن السودان ومصر قد اوفتا بكل التزاماتهما.

 

 

واقترح المفتي عدم الدخول في أي مفاوضات ما لم تلتزم اثيوبيا مقدما بإيقاف كافة أنشطتها في سد النهضة إلى حين التوصل لاتفاق ملزم من خلال مفاوضات، تجرى بإشراف الأمم المتحدة.

 

الاتحاد المصري السوداني

 

وفي الوقت الذي تزداد فيه تحديات سد النهضة اتخذت مصر والسودان طريقا للتقارب فيما بينهم أمام تلك المخاطر التي قد تواجهم جراء هذا السد الأثيوبي، وهو ما بدى من اتفاقات عسكرية واقتصادية مؤخرا شهدتها القاهرة والخرطوم.

 

وشهدت القاهرة يوم 2 مارس 2021 زيارة مريم الصادق المهدي، وزيرة الخارجية السودانية، في أول زيارة لها لمصر وزيرة لخارجية حكومة الثورة السودانية، والتي التقت خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي. 

 

وخلال الزيارة أعرب وزيرا خارجية مصر والسودان، قلقهما إزاء تعثر المفاوضات التي تمت برعاية الاتحاد الأفريقي، كما شددا على أن قيام إثيوبيا بتنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة بشكل أحادي سيشكل تهديداً مباشراً للأمن المائي لجمهورية مصر العربية ولجمهورية السودان، وخاصة فيما يتصل بتشغيل السدود السودانية ويهدد حياة 20 مليون مواطن سوداني.

 

وكان كل من رئيس الأركان المصري الفريق محمد فريد، ونظيره السوداني رئيس الأركان السوداني الفريق محمد عثمان الحسين، قد وقعا اتفاقية عسكرية في الخرطوم، بحضور قائدي جيشي البلدين، اللذين أكدا أن البلدين يواجهان تهديدات مشتركة.

 

وبحسب رئيس الأركان السوداني الفريق محمد عثمان الحسين، فإن الاتفاقية تهدف لتحقيق الأمن القومي لكل من السودان ومصر، وفقا لما نقلته "سكاي نيوز".

 

وقبل أسبوع زار الرئيس عبد الفتاح السيسي الخرطوم، ومن هناك جدد تأكيده على تمسك مصر بموقفها والدعوة إلى اتفاق ملزم بحلول الصيف قبل موسم الفيضانات، مشددا على رفض القاهرة للملء الأحادي من جانب إثيوبيا

 

 

في المقابل زار رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك القاهرة، واتفق مع نظيره المصري الدكتور مصطفى مدبولي على تكثيف التنسيق في ظل هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها ملف سد النهضة، بما في ذلك مواصلة العمل من أجل تفعيل الاقتراح الذي قدمته الخرطوم مؤخراً بشأن استئناف المفاوضات مع إثيوبيا عبر وساطة رباعية.

 

فيما أعلنت الخارجية الإثيوبية رفض الوساطة الرباعية التي اقترحتها مصر والسودان، والتي تشمل بجانب الاتحاد الأفريقي كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة للتوسط في المفاوضات تحت رعاية وإشراف الرئيس "فيليكس تشيسيكيدي".، مؤكدة تمسكها بالوساطة الأفريقية.

 

 

 

اعلان