تحدي سد النهضة.. كيف استقبل المصريون إعلان الملء الثاني؟

كتب: أحلام حسنين

فى: أخبار مصر

18:19 24 مارس 2021

استمرارا لسياسة المرواغة ومحاولة فرض الأمر الواقع، خرج رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أمام البرلماني الإثيوبي، أمس 23 مارس 2021، يعلن اعتزام بلاده الملء الثاني في موسم الأمطار المقبل، وذلك رغم توقف المفاوضات وعدم التوصل لاتفاق قانوني ملزم يحفظ حقوق دولتي المصب في نهر النيل. 

 

تصريحات آبي أحمد، أثارت غضب واستياء المصريين، مؤكدين أن نهر النيل يمثل لهم قضية وجودية، مطالبين بوحدة الصفين المصري والسوداني لاتخاذ موقف حاسم لحل أزمة سد النهضة والحفاظ على حقوق الشعبين في مياه النيل. 

 

وأعلن آبي أحمد، أمس الثلاثاء، اعتزامه استكمال بناء سد النهضة، والملء الثاني في موسم الأمطار وتحديدا في يوليو المقبل، مدعيا أن تفويت موسم الأمطار سيكلفهم خسارة نحو مليون دولار، وأن الملء الثاني لن يُحلق الضرر بمصر والسودان، وهو ما وصفه خبراء مصريون بـ"إدعاءات كاذبة". 

 

 

 

رفض سياسة الأمر الواقع 

 

بداية الرئيس عبد الفتاح السيسي قد جدد على تمسك مصر بموقفها تجاه قضية سد النهضة، والتأكيد على أن مياه النيل تمثل قضية وجودية تؤثر على حياة ملايين المصريين. 

 

وأكد الرئيس، خلال المؤتمر الصحفي، الذي عُقد مع إيفاريست ندايشيمي، رئيس جمهورية بوروندي الشقيقة، اليوم الأربعاء 24 مارس 2021، ضرورة السعي للتوصل في أقرب وقت ممكن إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل سد النهضة، بعيداً عن أي منهج أحادي يسعى إلى فرض الأمر الواقع وتجاهل الحقوق الأساسية للشعوب.

 

ولم تكن تصريحات آبي أحمد الأولى من نوعها التي تصدر من مسؤوليين إثيوبيين، فقبل أيام صدرت مثلها من الخارجية الإثيوبية ووزير الري والمياه الإثيوبي، والتي ردت عليها الخارجية المصرية بأنها تكشف عن نية إثيوبيا ورغبتها في فرض الأمر الواقع على دولتي المصب.

 

 

وأكدت الخارجية المصرية، في بيان لها، رفضها لمحاولات إثيوبيا في فرض سياسة الأمر الواقع، مؤكدة أنها تمثل تهديد لمصالح الشعبين الصري والسوداني، ولتأثير مثل هذه الإجراءات الأحادية على الأمن والاستقرار في المنطقة. 

 

وقال السفير أحمد حافظ المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية إن التصريحات الإثيوبية باعتزام استكمال ملء سد النهضة حتى لو لم يتم التوصل لاتفاق على قواعد ملء وتشغيل السد، تكشف مجدداً عن نية إثيوبيا ورغبتها في فرض الأمر الواقع على دولتي المصب، وهو أمر ترفضه مصر لما يمثله من تهديد لمصالح الشعبين المصري والسوداني.

 

وأضاف المتحدث الرسمي للخارجية المصرية، في بيان له الخميس 18 مارس 2021، إنه من المؤسف أن المسئولين الإثيوبيين يستخدمون لغة السيادة في أحاديثهم عن استغلال موارد نهر عابر للحدود، فالأنهار الدولية هي ملكية مشتركة للدول المُشاطئة لها ولا يجوز بسط السيادة عليها أو السعي لاحتكارها.

 

وتابع :"بل يتعين أن توظف هذه الموارد الطبيعية لخدمة شعوب الدول التي تتقاسمها على أساس قواعد القانون الدولي وأهمها مبادئ التعاون والإنصاف وعدم الإضرار".

 

وأشار متحدث الخارجية المصرية إلى أن هذه التصريحات الإثيوبية قد صدرت في الوقت الذي تبذل فيه جمهورية الكونغو الديمقراطية الشقيقة، والتي تولت رئاسة الاتحاد الأفريقي، مجهودات مقدرة لإعادة إطلاق مسار المفاوضات والتوصل لاتفاق قبل موسم الفيضان المقبل، وهو ما يعكس غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي للتفاوض من أجل التوصل لتسوية لأزمة سد النهضة.

 

ونوه إلى أن مصر والسودان قد أكدتا على أهمية الانخراط النشط للمجتمع الدولي في مفاوضات تقودها وتُسَيرُها جمهورية الكونغو الديمقراطية من خلال رباعية دولية تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وذلك لضمان فاعلية العملية التفاوضية ولدفع الدول الثلاث ومعاونتها على التوصل لاتفاق على سد النهضة خلال الأشهر المقبلة.

 

وسبق أن أعلنت إثيوبيا رفضها للمقترح السوداني الذي أيدته مصر، المعروف إعلاميا بـ"الرباعية الدولية"، ويضم الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي، لحلحلة مفاوضات سد النهضة التي فشلت على مدى السنوات العشرة الماضية. 

 

 

وحدة للتصدي 

 

ومن جانبه اعتبر الدكتور محمد نصر علام، وزير الري والموارد المائية الأسبق، أن تصريحات آبي أحمد ووزير الخارجية الإثيوبي بشأن سد النهضة، تعكس حقد دفين على دولتي مصر والسودان، وأحلام غير مشروعة بالهيمنة على منابع النيل وبشكل يثير الشفقة والإشمئزاز.

 

وأضاف علام، عبر حسابه على موقع فيس بوك :"يجب علينا كشعب أن نعلم أن سد النهضة أحد ثمار مخططات وضعت منذ خمسينات القرن الماضي للنيل من مصر وتقزيم دورها المحورى، وتغيير خريطة مايسمى بالشرق الأوسط، وما زالت المؤامرات تتكالب وتتجمع ولكن مصر قيادة وشعب وجيش بالمرصاد".

 

وتابع :"أى مبادرة لتهدئة الخلافات الحدودية السودانية مع أثيوبيا بدون حل جذرى لها وبدون حل لأزمة السد الأثيوبى، أرجو أن لا يكون الهدف منها تشتيت وحدة الصف المصرى السودانى".

 

وأول أمس أكد وزير الرى المصرى الدكتور محمد عبد العاطي، رفض مصر الكامل لأى تصرف أثيوبي أحادى فى أزمة سد النهضة، وأن مصر تبذل كل الجهد فى زيادة كفاءة المنظومة المائية من خلال الترشيد وتبطين الترع وإعادة الاستخدام والتحلية للتغلب على مشاكل الندرة المائية.

 

ورأى الدكتور مصطفى الفقي، مدير مكتبة الإسكندرية، ان تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، حول الملء الثاني لسد النهضة امتداد لسياسة المراوغة، ومحاولة لاستهلاك الوقت حتى يصبح الأمر الواقع قابل للتكرار مرة أخرى، ولكن هذا لن يحدث لأن الوضع أخد بعد دولي. 

 

ونوه الفقي، خلال لقاء مع الإعلامي شريف عامر، في برنامج يحدث في مصر على فضائية إم بي سي مصر، إلى أن الموقف المصري السوداني تجاه أزمة سد النهضة يكتسب أرضية جديدة كل يوم، مشددا على ضرورة  استمرار العمل السياسي والدبلوماسي لحل أزمة سد النهضة

 

وقال هاني رسلان، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن إثيوبيا تعانى من الفشل والفقر والحروب الأهلية والمذابح طوال تاريخها بسبب عوامل داخلية، وليس بسبب مصر التى تحصل على حصة محدودة من التدفق الطبيعى للنيل، لا تتجاوز 3% من جملة الإيرادات المطرية للنهر.

 

وأضاف رسلان :"إثيوبيا حتى هذه اللحظة كيان وليست دولة، وهذا الكيان نشأ عبر الحروب التوسعية، ومن خلال المذابح والاغتصابات والانتهاكات الفظيعة التى تقشعر لها الأبدان،  ومن ثم ليس هناك أى تجانس أو روابط أو ثقافة مشتركة، أو ولاء مشترك يشمل الجميع، وانما احتلالات داخلية تجعل الاوضاع العامة عبارة عن دورات متعاقبة من الحروب والقتل والمظالم المتطاولة".

 

 

وتابع :"وأخر حلقة فى ذلك، ما يجرى الآن فى إقليم تيجراى من إبادة جماعية وتطهير عرقى وجرائم ضد الإنسانية، بحجة أن جبهة التيجراى قامت بأفعال مشابهة من قبل، وأن هذا أوان الانتقام وتصفية الحسابات"، متسائلا :"مال مصر بهذه الاحقاد والضغائن والأزمات المستمرة فى كيان مصطنع؟".

 

واستطرد :"إنها الرغبة القاتلة فى تبرير الفشل والإخفاق، برمى تبعته على الآخرين، والتصور السقيم أن الهيمنة على النهر سوف تؤدى لتقدم إثيوبيا، فإثيوبيا لا تعانى من نقص المياه، أما الطاقة فمصر والسودان لا يمانعان فى ذلك، ويمكن بسهولة إنتاج الكهرباء دون إلحاق الضرر".


وأردف:"ولكنهم ينقلون أزماتهم الداخلية المعقدة والمتخلفة للإطار الاقليمى، ليس لتحقيق التنمية ولكن سعيا وراء هلاوس إمبراطورية مثيرة للشفقة".


سيناريوهات ملء السد

 

وفي سياق متصل طرح الإعلامي معتز بالله عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية، 3 سيناريوهات في حال إصرار إثيوبيا على الملء الأوحادي لسد النهضة دون التنسيق بين مصر والسودان. 

 

وقال عبد الفتاح، خلال برنامجه تحت الشمس على قناة الشمس، إن مصر بذلت مجهود دبلوماسي ضخم الفترة الماضية، ونجحت في توقيع العديد من الدول على ميثاق شرف باحترام المياه وعدم اعتبراها مورد اقتصادي قابل للبيع والشراء، واحترام حقوق الدول في أن يكون لها دور مهم في تحديد مصير النهر. 

 

 

 

وأوضح عبد الفتاح إن السيناريو الأول هو أن تعلن إثيوبيا نفسها دولة عظمى بأن تستكمل بناء سد النهضة منفردة دون التنسيق بين مصر والسودان، وفي هذه الحالة ستخسر مصر نحو 2 مليون فدان من 

إجمالي 8 مليون فدان في حال اكتمال بناء السد.

 

وأشار إلى أن الخطر الأكبر أن إثيوبيا ستفرض رؤيتها على الجميع، وتقرر إنشاء سدود أخرى وهو ما تفعله الآن من تشييد سدود أخرى، وهو ما تريده إثيوبيا التفاوض على ما لا نهاية. 

 

وتابع أن من البدائل المتاحة أمام مصر والسودان في حالة التعنت الإثيوبي، أن نصمت ونتحول إلى دولة صناعية بدلا من زراعية، وهناك بدليين أخريين كلاهما مر: وهو ضرب سد النهضة ويحدث تسونامي وهو ما لا نريده، بحد قوله.

 

واستطرد :"نظريا يمكن ضرب سد النهضة، ولكنه خطر كبير جدا لأن معناه أن المياه المخزنة ستندفع في فيضان وهو ممكن يحدث أيضا نتيجة بناء السد على منطقة صخرية، في حالة ضرب السد، سيحدث فيضان بموجة تقدر بارتفاع 25 متر بعرض يصل إلى كيلو ونص، هتدمر كل ما هو أمامها في أرض السودان، وحين تصل إلى مصر بعد 17 يوم يمكن أن يستوعبها السد العالي".

 

ونوه إلى أنه في هذه الحالة ربما يدخل الأمر في الانتقام الشامل، إذ ستحاول إثيوبيا الانتقام وتعتبرها حرب شاملة، وربما تحاول ضرب السد العالي أو تفعل أي شيء على سبيل الانتقام.

 

أما البديل الثالث، الذي رأى أستاذ العلوم السياسية أنه الأقرب إلى الواقع هو الضرب الجزئي لسد النهضة، بحيث يمكن تدمير نحو نصف كيلو متر، بهدف توجيه رسالة أنه لا يمكن بناء سدود إلا بموافقة الجميع، وكذلك سيكون الانتقاد الدولي أقل من توجيه ضربة كلية. 

 

اعلان