أمريكا والصين وروسيا.. من يهيمن على الخليج العربي؟ (تحليل)

كتب: محمد الوقاد

فى: العرب والعالم

23:40 11 يوليو 2020

لأعوام طويلة، اعتبرت دول الخليج الولايات المتحدة خيارها الوحيد، ولم تكن مستعدة لتغيير سياساتها، خاصة تجاه إيران.

 

لكن الولايات المتحدة أثبتت أنها حليف لا يمكن الوثوق به، وأكدت أنها لم تعد راغبة في الدفاع عن دول الخليج بلا مقابل.

 

وتتمثل مشكلة دول الخليج في أنه لا روسيا ولا الصين تقدمان بدائل حقيقية، على الأقل ليس بشروط يمكن أن تقبلها جميع الدول الخليجية.

 

روسيا.. خطط غير واقعية

 

ولا تهتم روسيا بأخذ مكان الولايات المتحدة، ولا تمتلك القدرة على ذلك، ناهيك عن كون خططها الأمنية في الخليج تتعارض مع سياسات السعودية.

 

وتدعو الخطة الروسية إلى ترتيب أمني خليجي جديد على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وسيشمل الترتيب الروسي إيران بكل تأكيد ولن يكون موجهًا ضدها، ومن المرجح أن يضم نوعا من الاتفاق الإقليمي حول عدم الاعتداء.

 

وأوضحت السعودية، عبر ولي العهد محمد بن سلمان، أنها غير مهتمة بالتواصل مع إيران حتى ولو عن طريق المساعدة الإنسانية، كما فعلت بعض دول الخليج خلال الوباء، بالرغم من أنها فتحت قنوات اتصال غير مباشرة مع إيران العام الماضي. ولكن هذه القنوات تم إغلاقها في أعقاب مقتل الجنرال الإيراني "قاسم سليماني" في يناير 2020.

 

في المقابل، يبقى الحضور الصيني في منطقة الخليج معقدا بشكل ما.

 

ومن الناحية الظاهرية، تقع الصين ودول الخليج في نفس القارب المتشكك بشأن الترتيبات الأمنية الإقليمية الحالية.

 

الصين.. اقتراب مشوش

 

ومثل دول الخليج، اعتمدت الصين منذ فترة طويلة على مظلة الدفاع الأمريكية لضمان تدفق الطاقة والسلع الأخرى عبر المياه المحيطة بالخليج.

 

وتحسبًا لليوم الذي لن تعود فيه الصين قادرة على الاعتماد على الأمن الذي توفره الولايات المتحدة، عدلت الصين تدريجيا استراتيجيتها الدفاعية، وبنت أول منشأة عسكرية أجنبية في جيبوتي، وهي قاعدة تواجه الخليج من ناحية القرن الإفريقي.

 

ومع تكليف البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي بحماية خطوط الاتصال البحرية الصينية وحماية مصالح البلاد في الخارج، أشار المخططون الاستراتيجيون إلى أن جيبوتي هي الخطوة الأولى في سلسلة قواعد أخرى تخطط الصين لبنائها بهدف إبراز نفوذها.

 

ولكن كما هو الحال مع الروس، ربما تتباين وجهات النظر بين المخططين الاستراتيجيين الصينيين ونظرائهم في الخليج حول شكل أي نظام أمني إقليمي جديد، خاصة فيما يتعلق بدور إيران.

 

في هذا الصدد، يقول "نيو شين تشون"، مدير دراسات الشرق الأوسط في معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة: "الصين ودول الشرق الأوسط لا يشتركون في المنطق الاستراتيجي حيث تستند العلاقة بين الطرفين إلى منطق اقتصادي".

 

وأضاف: "لكن تداعيات فيروس كورونا ستغير الشرق الأوسط بشكل كبير. وسيغير هذا نموذج الاستثمار الصيني في المنطقة، وسوف يؤثر ذلك على علاقات الصين مع دول المنطقة بشكل عميق للغاية".

 

وتشير البيانات إلى أن تواجد الصين الاقتصادي في الشرق الأوسط يشهد انكماشا ملحوظا. وهو انكماش من المرجح أن يتزايد بفعل تداعيات فيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط.

 

وقال "أجاثا كراتز"، المدير المساعد لمجموعة "روديوم"، وهي شركة أبحاث مستقلة، إن الاستثمار الصيني الأجنبي المباشر في الشرق الأوسط يبلغ الآن نحو 30% مما كان عليه عام 2016.

 

من جانبهم، يؤكد المسؤولون والمحللون الصينيون باستمرار أن الشرق الأوسط ليس أولوية للصين، وأن أي معارك مستقبلية مع الولايات المتحدة ستكون في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وليس في الخليج.

 

من ناحية أخرى، لا تزال طهران هي فرس الرهان الرابح بالنسبة لبكين في الشرق الأوسط.

 

واشنطن القلقة والغاضبة

 

وتداولت وسائل إعلام صينية تقارير عن اتفاق سري مزعوم للتعاون لمدة 25 عاما بين طهران وبكين بقيمة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.

 

وقال الباحث في شؤون الشرق الأوسط "فان هوندا"، لصحيفة "شنغهاي أوبزرفر" التابعة للحزب الشيوعي الصيني، إن الاتفاقية، رغم أنها ليست قريبة من التنفيذ، فإنها تسلط الضوء على "لحظة تطور مهمة في الشرق الأوسط".

 

وأضاف "فان" أن الانقسام بين الولايات المتحدة والصين أعطى الصين مساحة أكبر لتطوير علاقاتها مع إيران، وهو ما لن يمر دون ملاحظة في الرياض وعواصم الخليج الأخرى.

 

ويعني كل ذلك أن هناك منافسة ناشئة في منطقة الخليج بين الولايات المتحدة التي ترغب في استثمار موارد أقل في المنطقة، وبين الصين التي لا تزال تحسب خطواتها.

 

ومع ذلك، فإن تأكيد المسؤولين الخليجيين على أهمية العلاقات لن يحميهم من المطالب الأمريكية بمراجعة وتقييد علاقاتهم مع الصين، ولا التحذيرات من أن العمل مع شركة "هواوي" قد يعرض الاتصالات الحساسة للخطر، خاصة بالنظر إلى القواعد الأمريكية المتعددة في المنطقة، بما في ذلك قاعدة الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين والمقر الرئيسي للقيادة المركزية للجيش الأمريكي في قطر.

 

ورفضت السفارة الأمريكية في أبوظبي الشهر الماضي عرض الإمارات التبرع بمئات اختبارات فيروس "كورونا" لفحص موظفيها. وكان هذا الرفض يهدف للتأثير على سمعة صناعة الصحة الصينية والتشكيك في تجربتها مع الوباء ومدى قدرتها على تصنيع المعدات الوقائية والطبية.

 

وقال مسؤول أمريكي إن الاختبارات تم رفضها لأنها إما صينية الصنع أو شاركت في تصنيعها شركة "بي جي آي جينوميكس"، وهي شركة صينية نشطة في الخليج، ما أثار مخاوف بشأن خصوصية المرضى.

 

أرضية الخليج الملغمة

 

وتعليقا على هذا كله، يقول المحلل والكاتب الأمريكي "جورج دورسي" إنه بغض النظر عما ستسفر عنه هذه المنافسة المحتدمة في الشرق الأوسط، فإن الجانب المشرق هو أن واشنطن، مثلها مثل بكين، لا يمكن تحمل تداعيات أي فراغ في السلطة في المنطقة.

 

ويضيف، في تحليل نشره "ريسبونسيبل كرافت" سيتطلب تصحيح الوضع تجنب التعامل مع النزاعات على أنها معارك صفرية، ليس فقط من جانب اللاعبين الإقليميين، ولكن أيضا من اللاعبين الخارجيين، كما تفعل واشنطن في ملف إيران.

 

وسيتطلب هذا مشاركة من جميع اللاعبين الإقليميين والخارجيين. ولتحقيق ذلك، يتعين على اللاعبين أن يدركوا أن أزمة دول الخليج تكمن في أن دول المنطقة يرون بعضهم البعض كتهديدات وجودية، وفقا لـ"دورسي".

 

وسوف يؤدي الفشل في كسر هذه النظرة إلى تعميق الصراعات وخروجها عن السيطرة.

 

ولتجنب ذلك، يقول "دورسي"، إن هناك حاجة ماسة للاستثمار في تدابير لبناء الثقة، قبل الحوار حول ترتيبات أمنية إقليمية ينتج عنها حلول للنزاعات.

 

ومن أجل تحقيق ذلك، سيتعين على القوى الكبرى استثمار المزيد من الإرادة السياسية والجهد في وقت تشعر فيه أن لديها أماكن أكثر أهمية للاهتمام بها وإعطائها الأولوية في المنافسة الجيوسياسية.

اعلان