سرت إلى الواجهة مجددًا.. «سيناريوهات النزاع» في مسقط رأس القذافي

كتب: أيمن الأمين

فى: العرب والعالم

11:55 09 مارس 2021

عادت مدينة سرت الليبية إلى الواجهة مجددًا، على خلفية احتضان تلك المنطقة "أرض النزاع"، لبعض الأحداث الهامة، وذلك بانعقاد جلسة برلمانية لمنح الثقة لحكومة عبد الحميد دبيبة، وأخرى بالحديث عن إخراج قوات "فاغنر" ووجود قوات حفظ سلام في تلك المنطقة المتنازع عليها.

 

وتعد مدينة سرت مسقط رأس العقيد الراحل معمر القذافي، حيث تقع حتى الآن تحت سيطرة قوات رجل شرق ليبيا القوي الجنرال خليفة حفتر.

 

وقبل ساعات، شهدت مدينة سرت لقاء يحدث للمرة الأولى بعد سنوات من الحرب والفوضى. وعقد نواب البرلمان الليبي جلسة لمنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية الجديدة، بحسب خارطة الطريق التي أشرفت عليها بعثة الأمم المتحدة، لكن النواب أجلوا التصويت.

 

وستقود حكومة دبيبة البلاد إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية في ديسمبر، وستحل محل حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج التي تعترف بها الأمم المتحدة في طرابلس وإدارة منافسة يساندها رجل شرق ليبيا القوي خليفة حفتر.

 

والتقت الفصائل المتعارضة في البرلمان الليبي المنقسم في مدينة سرت القريبة من خطوط القتال، والتي تسيطر عليها حاليا قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) بقيادة خليفة حفتر، والتي تراجعت إلى هناك بعد فشلها في انتزاع السيطرة على طرابلس في الغرب.

 

 

وهذا اللقاء يحدث للمرة الأولى بعد سنوات من الحرب والفوضى، وقد دمرت مدينة سرت "شمال وسط ليبيا"، معارك متكررة منذ الانتفاضة التي ساندها حلف شمال الأطلسي عام 2011 ضد معمر القذافي والتي تركت ليبيا دون حكومة مركزية منذ أكثر من عشر سنوات.

 

منح الثقة للحكومة

 

ونجح البرلمان اليوم في عقد جلسة رسمية كاملة النصاب، حضرها 132 نائباً "بحسب تصريح مقرر الجلسة التي تمت إذاعتها مباشرة"، وترأس الجلسة رئيس المجلس عقيلة صالح ونائباه: فوزي النويري وحميد حومة.

 

وناقش النواب تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية التي قدّمها عبد الحميد دبيبة. وتباينت الآراء بين مشجع على منح الثقة، ومعترض على عدد الحقائب المبالغ فيه "بحسب آراء بعض النواب". فيما طالب نواب بتضمين مخرجات حوار تونس "الذي أَنْتَج السلطة التنفيذية الجديدة" في الإعلان الدستوري.

 

وتضم حكومة الدبيبة 35 عضوا، مما يسمح له بتوزيع الحقائب الوزارية، بفرص الرعاية التي تقدمها. لكن حجم الحكومة الكبير، إلى جانب مزاعم فساد في العملية التي اختارته، قد تقوض مشروعية الحكومة.

 

ويأمل الليبيون استعادة الخدمات الحكومية الأساسية التي دمرتها الحرب والفوضى السياسية على مدى سنوات.

 

من جهتها، رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بعقد البرلمان جلسة مكتملة النصاب للمرة الأولى منذ سنوات عديدة. وقالت البعثة في بيان صحفي "نرحب بعقد جلسة مجلس النواب للتداول بشأن التصويت على منح الثقة للقائمة الوزارية المقترحة من قبل رئيس الوزراء المكلف".

 

 

وأضافت البعثة الأممية "الجلسة التاريخية لمجلس النواب، تمثل خطوة حاسمة في توحيد البلاد وتهيئتها لإجراء الانتخابات الوطنية وديمقراطية" نهاية العام الحالي". وختمت "لا ينبغي تفويت هذه الفرصة من أجل فتح صفحة جديدة لليبيا".

 

من جهتها، نشرت صحيفة نيويورك تايمز افتتاحية حول الوضع في ليبيا وتساءلت هل يمكن إعادة توحيد ليبيا من جديد؟.

 

وقالت إن هناك عددا قليلا من الدول تجسد تراجيديا الربيع العربي مثل ليبيا، فقد أدى انهيار حكم الديكتاتور معمر القذافي الذي حكم البلد مدة 42 عاما إلى عقد من الفوضى والحكومات المتنافسة والميليشيات والقوى الأجنبية التي تكافح بعضها البعض للسيطرة على هذا البلد الغني بالنفط.

 

وأدارت الولايات المتحدة وحلف الناتو التي ساعدت القوى المضادة للقذافي ظهرها للبلد بعد سقوطه وفشلت محاولات الأمم المتحدة تشكيل حكومة واحدة.

 

ولكن الليبيين لديهم اليوم وضد كل الأضداد فرصة للقفز فوق الفوضى. فوقف إطلاق النار لا يزال ثابتا منذ أكتوبر وعقد مؤتمر موسع أشرفت عليه الأمم المتحدة في نوفمبر وأنتج رئيسا للوزراء وثلاثة أعضاء في المجلس الرئاسي كلفوا بقيادة البلد لحين عقد الانتخابات في ديسمبر.

 

عبد الحميد دبيبة

 

وتعلق الصحيفة أن العملية لا تزال هشة، فرئيس الوزراء المنتخب عبد الحميد دبيبة، هو ملياردير كان مقربا من القذافي ووجهت له اتهامات بشراء الأصوات للحصول على الوظيفة. ويحتاج الفريق الانتقالي الذي يقترحه الفريق المنتخب للنجاة في البرلمان والحصول على ثقته. والبرلمان موزع بين طرابلس وطبرق ويتوقع عرض التشكيلة الوزارية عليه اليوم الثلاثاء.

 

 

ورغم كل هذا فهناك فرصة سلام ويجب في هذه الحالة إقناع الدول الأجنبية التي غمرت البلاد بالسلاح والطائرات المسيرة والمرتزقة- خاصة روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة وقطر السماح للعملية السياسية لكي تأخذ مجراها.

 

ومن ناحية نظرية، فحظر تصدير السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة لا يزال قائما. ولكن تقريرا سريا للأمم المتحدة واطلعت عليه الصحيفة وصحف أخرى، كشف أن الأسلحة تصل إلى البلاد على متن الطائرات وبدون توقف. ومع أن الولايات المتحدة لم تكن متورطة بشكل مباشر في عملية نقل السلاح غير الشرعي، إلا أنها تتحمل المسؤولية لتركها النزاع مباشرة بعد سقوط العقيد القذافي.

 

وفي التقرير الأخير للأمم المتحدة جاء أن أحد المتنافسين الذي شن في 2019 عملية عسكرية ضد المنافس الآخر تلقى مساعدة من قوة مرتزقة مجهزة بالمروحيات والقوارب العسكرية وبمساعدة من إريك برينس، المتعهد الأمني الأمريكي سيئ الذكر الداعم المتحمس للرئيس السابق دونالد ترامب. وقام جانب برينس بالاتصال مع قوات خليفة حفتر الذي كان مرة رصيدا للسي آي إيه وأعطى نفسه لقب "المارشال" ويحظى بدعم من روسيا والإمارات العربية المتحدة.

 

على الجانب الآخر، وصل وفد صغير من المراقبين الأمميين إلى مدينة سرت الليبية (وسط) يؤشر إلى إمكانية إرسال قوات حفظ سلام أممية لمنطقة وقف إطلاق النار بين سرت والجفرة.

 

لكن ذلك مرتبط أساسا بانسحاب مرتزقة شركة "فاغنر" الروسية من المنطقة، وعدم استخدام موسكو وباريس لحق النقض (الفيتو) لتعطيل قرار من هذا النوع.

 

قوات حفظ سلام

 

وفي 4 مارس  الجاري، أعلنت البعثة الأممية وصول "فريق متقدم مصغر إلى ليبيا"، بغرض تأسيس آلية مراقبة لوقف إطلاق النار، وجمع المعلومات التي طلبها مجلس الأمن الدولي، ورفع تقرير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

 

 

ولا يتجاوز عدد أفراد الفريق الأممي 10 أشخاص، وبناء على التقرير الذي سيعرض على مجلس الأمن سيتم الفصل في إمكانية إرسال فريق أكبر لمراقبة وقف إطلاق النار أو حتى قوات حفظ سلام.

 

وفي سابقة منذ 2014، وافق مجلس الأمن في 4 فبراير الماضي على طلب غوتيريش، بإرسال فريق أممي لمراقبة وقف إطلاق النار في ليبيا، الذي تقدم به في 20 ديسمبر الماضي.

 

ومنح مجلس الأمن غوتيريش مهلة 45 يوما - تنتهي في 19 مارس الجاري - لتقديم تقريره بشأن إرسال فريق أممي لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار بين القوات الحكومية الشرعية والجنرال خليفة حفتر، على خطوط التماس بين سرت (450 كلم شرق طرابلس) والجفرة (300 كلم جنوب سرت).

 

ومنذ يونيو 2020، توقفت المواجهات بين الجيش الحكومي ومليشيات حفتر، بعد دحرها من على أسوار العاصمة، وطردها من كامل المنطقة الغربية، باستثناء سرت.

 

وفي 23 أكتوبر الماضي، وقّعت "لجنة 5+5" العسكرية، التي تمثل طرفي النزاع، اتفاقا لوقف إطلاق النار، ما زال ساريا إلى اليوم، رغم خرقه من الجانبين عدة مرات.

 

وقف إطلاق النار

 

وسبق لروسيا وفرنسا أن عرقلتا طلبًا للمبعوث الأممي السابق غسان سلامة، إلى مجلس الأمن بإرسال فريق أممي لمراقبة وقف إطلاق النار إلى ليبيا.

 

 

لكن الطلب قُدم حينها في 11 سبتمبر 2019، في ذروة الحملة التي أطلقتها قوات الجنرال حفتر لإسقاط طرابلس (أبريل 2019 – يونيو 2020)، بدعم روسي وفرنسي قوي، وتأييد من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ومستشاره للأمن القومي جون بولتون.

 

وجددت "لجنة 5+5" العسكرية الليبية طلب إرسال فريق أممي لمراقبة وقف إطلاق النار، في 9 نوفمبر الماضي، لكن مجلس الأمن لم يستجب لهذا الطلب.

 

لكن مع تغير المعطيات على الأرض، وصمود اتفاق وقف إطلاق النار، أصبح إرسال مراقبين دوليين أو حتى قوات لحفظ السلام أمرا غير مستبعد، إذا لم تستعمل روسيا وبدرجة أقل فرنسا، حق "الفيتو".

 

اتفاق وقف إطلاق النار في جنيف نصّ على خروج المرتزقة والقوات الأجنبية من سرت والجفرة خلال 90 يوما، أي في حدود 23 يناير الماضي، الأمر الذي لم يحدث.

 

انسحاب فاغنر

 

وحتى بعد التقارير الأخيرة عن انسحاب "فاغنر" من مطار وقاعدة القرضابية الجوية في سرت، ومن مناطق أخرى في الجفرة، إلا أن وسائل إعلام ليبية وإيطالية ذكرت أن مرتزقة "فاغنر" ما زالوا متواجدين في أجزاء مختلفة من سرت.

 

فخلال الأشهر التسعة الماضية، استعملت "فاغنر" نفس أساليب المناورة وإعادة الانتشار التي استعملها الجيش الروسي في سوريا.

 

وكانت "فاغنر" تسحب جزءا من عناصرها من سرت والجفرة إلى مناطق خلفية للإيحاء بأنها انسحبت من المنطقة تحت ضغوط داخلية ومحلية، قبل أن يتوضح أنها ما زالت تُحكم سيطرتها على المنطقة.

 

فالشركة الأمنية الروسية، ليست فقط شركة للارتزاق، وإنما أداة في يد وزارة الدفاع الروسية ضمن استراتيجية توسيع نفوذها في العالم تحت غطاء "الحرب الهجينة".

 

ووجود قوات حفظ سلام دولية في سرت والجفرة من شأنه أن يدفع "فاغنر" للانسحاب نهائيا من المنطقة، أو أن تلجأ روسيا لعرقلة إرسال هذه القوات على مستوى مجلس الأمن الدولي.

 

 

ويعتبر الاتحاد الأوروبي أكثر جهة مرشحة لإرسال مراقبين أو قوات حفظ سلام أممية، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لليبيا، سواء من حيث قربها من السواحل الأوروبية أو دورها في تأمين الطاقة للقارة العجوز.

 

وسبق لمفوض الشؤون الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، أن طرح "وثيقة استراتيجية" على وزراء دفاع الاتحاد، في سبتمبر الماضي، خلال اجتماع غير رسمي، طرح خلالها نشر قوات أوروبية في ليبيا قوامها بين 5 آلاف و10 آلاف جندي.

 

لكن وزراء دفاع أوروبيين رفضوا هذه الوثيقة، ودعوا لإسقاطها بل وصفوها بـ"المجنونة"، وأكثرهم دبلوماسية اعتبر أن "الظروف المناسبة لم تتحقق" لتنفيذها.

 

غير أن الظروف التي دفعت وزراء الدفاع الأوروبيين لرفض "الوثيقة الاستراتيجية"، تغيرت كثيرا، مع هدوء الأوضاع الأمنية في ليبيا، ومطالبة طرفي النزاع بمراقبين دوليين، وعودة الولايات المتحدة لتوثيق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي بعد رحيل ترامب.

 

قوات أوروبية

 

ما زالت هناك عوائق أمام نشر قوات أوروبية بحجم لواءين تحت غطاء أممي، فروسيا ما زالت متواجدة بثقلها في سرت والجفرة بواسطة "فاغنر"، والأوروبيون لا يرغبون في الاصطدام بها.

 

كما أن سرت والجفرة منطقة شاسعة وقليلة السكان وتحتاج عددا أكبر من القوات، وهذا الأمر قد يجعلها مستهدفة على الأقل من التنظيمات الإرهابية، أو من مسلحين محليين ومرتزقة أجانب لم تدفع لهم أجورهم.

 

ناهيك عن التهديد القائم لفيروس كورونا بنسخه المتحورة وموجاته المتتالية، التي لم تكبح جماحه رغم اكتشاف عدة لقاحات.

 

لذلك يبدو الأوروبيون، وعلى رأسهم ألمانيا، مترددين، ويتحركون بخطوات حذرة، وبشكل متدرج، رغم أن فرنسا الداعمة لحفتر، فشلت لحد الآن في دفع حلفائها لمزيد من التورط في الملف الليبي.

 

المشهد الليبي ما زال يكتنفه الغموض، وقرار إرسال قوات حفظ سلام أممية لم ينضج بعد، وتخلي روسيا عن إقامة قواعد عسكرية دائمة بليبيا لن يكون بلا ثمن، وإخراج "فاغنر" من سرت والجفرة لن يكون سهلا.

 

 

ناهيك عن التشكيك الدائم في مدى نجاح البعثات الأممية لحفظ السلام في مناطق مختلفة من العالم، على غرار مالي والسودان والصومال ولبنان، وهو السؤال الذي يتكرر أيضا في ليبيا.

 

فإرسال قوات حفظ سلام إلى ليبيا، يتطلب تعاون كل الأطراف معها وبالأخص قوات حفتر و"فاغنر"، وتسليم خريطة حقول الألغام التي زرعتها في المنطقة الممتدة بين سرت والجفرة.

 

كما يخشى الليبيون أن تكرس قوات حفظ سلام تقسيم البلاد بين شرق وغرب إذا طال الوضع القائم وإذا لم تنجح مساعي توحيد مؤسسات البلاد.

 

وتواجد قوات حفظ السلام في سرت لفترة طويلة، قد يحولها إلى عاصمة مؤقتة، ويهمش دور طرابلس كعاصمة تاريخية للبلاد.

 

فتحديد دور قوات حفظ السلام وعدد أفرادها وأماكن انتشارها ومدة تواجدها، إجابات يحتاجها الليبيون للاطمئنان من أن المراقبين الدوليين سيكونون جزءا من الحل وليس لتعميق المشكلة.

 

 

 

 

اعلان