مأساة العناق الأخير..

«الإنسانية تتجمد» على جبال لبنان.. هنا يموت السوريون تحت الثلوج

كتب: أيمن الأمين

فى: العرب والعالم

16:54 28 مارس 2021

وسط عالم "ظالم" تحجر قلبه وتلعثم لسانه وشلت يده، لم يعرف ساسته سوى النفاق والخداع، وشعب لم يذق طيلة 10 سنوات سوى الألم والمعاناة، فقد الأرض والحلم والمستقبل، قبل أن يفر هاربا إلى بلاد الجوار، والذي قدر له الموت فيها بطريقة غير إنسانية.. عفوا هؤلاء هم اللاجئون السوريون بعد مرور 10 سنوات على بدء الحرب الأهلية في بلادهم.

 

ويتصدر اللاجئون السوريون منذ 10 سنوات عناوين الصحف والنشرات الإخبارية، بين قتل وإبادة واغتصاب، ولم يغب ذكرهم يوما، فالمعاناة الإنسانية التي تتسبب فيها الأزمات التي تضرب العالم، تحمل مشهدًا دراميًا يكون ضحاياه السوريين الذين هربوا من موت إلى آخر.

 

فبدون أي ذنب يواجه الملايين منهم الموت في مخيمات اللجوء، في البلدان التي هربوا إليها من قصف النظام والجماعات المسلحة، فأوضاعهم الإنسانية صعبة جدا، لعل أبرزها بلبنان، تزامنا مع اشتداد برودة الشتاء والصقيع القاتل الذي يلاحق قرابة ثلاثة ملايين شخص.

 

"الصقيع القاتل"، عدو جديد يطارد من هربوا من جحيم الأسد، ووجدوا في الحدود والبلدان المجاورة مأوى لهم، قبل أن تحولهم لأرقام في ثلاجات الموتى. 

 

جبال لبنان

 

ففي مشهد مؤثر عثر على سيدتين سوريتين متجمدتين مع طفليهما في منطقة جبلية شرقي لبنان، كل واحدة منهما اختارت أن تودع الحياة بعناق حار لصغيرها.

 

 

دفء العناق والدمع المتجمد في عيون الوالدتين لم ينقذ حياة الصغيرين، فانتهى بهم المطاف جثثا مطمورة بالثلج على جبال "عيناتا" شرقي لبنان، في إحدى أكثر محطات ورحلات اللجوء السوري إيلاما وقسوة.

 

حكاية اللاجئين الأربعة بدأت قبل أيام، لكن العثور عليهم استغرق نحو 72 ساعة، بحسب ما قالت مصادر الدفاع المدني -التي شاركت بعملية البحث عن الضحايا لوسائل إعلام عربية.

 

وبدأت قصة البحث عنهم حين تلقى الدفاع المدني اتصالا لنجدة مجموعة من الأشخاص عالقين بالثلج، حيث توجه إلى المنطقة المذكورة بمؤازرة نحو 30 عنصرا من الجيش، وفتشوا فيها لساعات طويلة لكن الأحوال الجوية أعاقت عملهم، إلى أن عثروا عليهم ظهر الجمعة 26 مارس الجاري جثثا ملقاة على الثلج، و"كان الطفلان يعانقان والدتيهما بمشهد مؤثر".

 

وبحسب الرواية المتداولة، فإن السيارة التي تقل الضحايا أرادت شق الطرقات الجبلية الوعرة بمواجهة الثلوج والكتل الهوائية الباردة، وحين وصل بهم المهرّب لنقطة ما ضل الطريق نتيجة الضباب وسوء الرؤية، فاتصل بشقيقه يطلب النجدة.

 

مقاومة الموت

 

وبعد ذلك بساعات ترجلت السيدتان من السيارة مع طفليهما (واحدة منهما كانت حاملا) بحثا عن سيارة شقيق المهرّب الذي لزم سيارته مع طفل آخر لإحدى السيدتين، لكنهم ضاعوا بالجرود، وعلى الأرجح لم يستطيعوا تحديد الاتجاهات الجغرافية، إلى أن لقوا حتفهم بين الثلوج بعد مقاومة للموت لم تتضح ملابسات لحظاته الأخيرة.

 

 

ويؤكد هذه الرواية محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر في تصريحات صحفية، لافتا إلى أن الطفل الذي بقي في السيارة سلمته الأجهزة الأمنية لوالده الذي دفع 1.5 مليون ليرة (ألف دولار) للمهرّب مقابل تهريب زوجته وطفليه نحو الرقة.

 

وأوضح أن عملية التهريب هذه كانت تضم 8 لاجئين آخرين نجوا من الثلوج، ولم يجرِ توقيفهم -باستثناء أحد المهربين ألقي القبض عليه- لأنهم لم يعبروا الحدود، وإنما كانوا داخل الجرود اللبناني.

 

ويذكِّر المحافظ بحادثة مماثلة وقعت في يناير 2018 حين توفي نحو 17 لاجئا سوريا -بينهم أطفال- نتيجة البرد الشديد أثناء محاولة عبورهم بطريقة غير نظامية من البقاع إلى سوريا.

 

وسبق أن تشارك اللبنانيون والسوريون -وتحديدا من الفئات الأكثر فقرا- رحلات الهروب، وكان آخرها ما تعرف بقصة "قوارب الموت" غير النظامية من شمال لبنان إلى قبرص في سبتمبر 2020، وذلك حين ابتلع البحر أطفالا ونساء وشبابا -بينهم لاجئون سوريون- سقطوا ضحية عملية تهريب ضخمة وغير آمنة، بعد أن باع بعضهم كل ممتلكاته لتسديد "فاتورة" المهربين.

 

العودة لسوريا

 

ويرى المحافظ خضر أنه "ما دام السوريون يرغبون بالعودة لبلادهم فلا بد من تنظيم الأمر بطريقة نظامية وقانونية، كي لا يقعوا ضحية المغامرات المميتة".

 

 

ويستغرب لجوء بعضهم لهذا النوع من العبور غير الآمن، فيما الأمن العام اللبناني يقدم مختلف التسهيلات للاجئين الراغبين بالتوجه للأراضي السورية، على حد قوله.

 

ويقدر عدد اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان بـ1.5 مليون لاجئ، وضمنهم اللاجئون غير المسجلين لدى المفوضية.

 

وهنا، تشير المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان "يو إن إتش سي آر" (UNHCR) ليزا أبو خالد إلى أنه بحلول ديسمبر 2020 بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى المفوضية 865 ألفا و331 لاجئا.

 

مساعدات إنسانية

 

ونظرا إلى التمويل المتاح حاليا للمساعدات الإنسانية -وفق المتحدثة- لا يمكن للمفوضية تقديم مساعدة نقدية شهرية إلا إلى 25% من اللاجئين السوريين بقيمة 400 ألف ليرة لبنانية للأسرة الواحدة في الشهر (266 دولارا).

 

وبينما تتحكم السوق السوداء بأسعار مختلف المواد والسلع الغذائية في لبنان التي تضاعفت بنحو 400% وفق التقديرات الاقتصادية فإن القيمة الفعلية للمبلغ المقدم من المفوضية للاجئين صارت توازي نحو 30 دولارا.

 

ومع احتساب المساعدات النقدية والغذائية الشهرية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي تؤكد أبو خالد، أنه "لا يمكن للمفوضية وبرنامج الأغذية العالمي الوصول إلا إلى 62% من إجمالي عدد اللاجئين وتزويدهم بمساعدات نقدية أو غذائية أو كلتيهما، كما يتم تقديم جميع برامج المساعدات النقدية بالليرة اللبنانية".

 

ويبدو أن التدهور المعيشي في لبنان برأي كثيرين- عزز عمليات التهريب بمختلف أشكالها عند عشرات المعابر غير النظامية بين البلدين.

 

ورغم أن تهريب الأفراد يعود لعقود فإن الظاهرة تصاعدت تباعا بعد الثورة السورية 2011، إلى جانب تهريب المحروقات والسلع الغذائية والأدوية الذي عاد للواجهة بعد تفاقم الأزمة اللبنانية.

 

وبينما تنزع السلطات اللبنانية صفة اللجوء عن السوريين الذين يدخلون البلد بطريقة نظامية فإن سلطات النظام السوري تشترط على رعاياها الراغبين في العودة إلى بلدهم إجراء فحص كورونا، كما تفرض عليهم تصريف 100 دولار بالعملة الوطنية عند المنافذ الرسمية.

 

 

ويرى مدير حملات آفاز بالعالم العربي وسام طريف في هذه الشروط أحد الأسباب الدافعة لاختيار اللاجئين العبور غير النظامي، بعد أن جعلتهم الأوضاع الاقتصادية تحت عتبة الفقر.

 

ويلفت طريف -في تصريحات صحفية، إلى أن معظم اللاجئين السوريين ليست لديهم أوراق إقامة قانونية تحمي وجودهم، لذا لا يستطيعون مغادرة البلاد بشكل نظامي.

 

ولأن الاتجار بالبشر يأخذ أشكالا مختلفة -وفق مدير الحملة- فإن الإشكالية الأبرز هي في كيفية ضبط الحدود كحاجة وطنية ملحة "لكنها عالقة وتحتاج لقرارين سياسي وأمني".

 

ويشدد طريف على مسؤولية السلطات بملاحقة شبكات المهربين، لكنه يذكر أن الأشخاص يذهبون معهم بإرادتهم، كما يشير إلى أن مدخول أفراد عائلات اللاجئين يأتي من مصدرين: المساعدات الأممية، وعملهم بقطاع الزراعة في الريف والخدمات، ولأجل ذلك أصبحوا من أكثر الناس فقرا في لبنان.

 

وبحسب طريف، فإنه "بسبب تفاقم الأوضاع المعيشية في لبنان انتقل الكثير من اللاجئين من السكن داخل الشقق إلى المخيمات، حيث يعيش حاليا نحو 600 ألف سوري بالخيام في حوالي 2800 تجمع مخيمات عشوائية بين البقاع والشمال".

 

معاناة اللاجئين

 

محمد المسالمة، أحد أهالي درعا قال في تصريحات سابقة  لـ"مصر العربية" نعيش حياة بلا معنى على الحدود السورية الأردنية، فمنذ سيطر النظام على مدينتنا درعا قبل أشهر، ونحن عالقون، نموت في اليوم مائة مرة.

 

وأوضح: لم يعد أمامنا خيارات غير الموت، ولا نعرف حتى العودة لبلادنا، فالرصاص وبارود الجماعات المسلحة والمرتزقة التي تقاتل مع النظام تنتظرنا للانتقام منا.

 

وتابع: مر علينا الصيف في درعا وكنا نتحمل ظروف وقسوة الحياة علينا وأطفالنا، وها هو الشتاء يقسو علينا ونحن نعيش عرايا في الصحراء.

 

 

عندما تنظر إليهم للوهلة الأولى وعبر الجمعيات والمنظمات الحقوقية تعتقد أنهم "سعداء"، لكن بعد أن تقترب منهم أكثر وترى معاناتهم في مخيمات لا تصلح لإيواء الحيوانات، حينها تشعر بمرارة وبؤس حياتهم التي حولها نظام الأسد إلى جحيم.. هكذا وصف عبد الرحمن الدمشقي، أحد شباب سوريا الموجود بجنوب تركيا حياة أقاربه في مدينة إدلب السورية الواقعة في قبضة المعارضة التركية.

 

عبد الرحمن الذي تواصلت معه "مصر العربية" روى يوميات الرعب لأهله داخل مدينة إدلب، جراء السيول القاتلة التي ضربت تلك المنطقة الشمالية خلال الأيام الأخيرة، قائلا: مخيمات جدي وأبناء عمومتي غرقت ولم يبق منها أي شيء، فالسيول التي ضربت مناطقهم قبل أيام كانت كارثية، لم يصلهم أي دعم حتى الآن، سوى بعض المنظمات التركية، لقربها من تلك المخيمات.

 

وعن حياة اللاجئين بشكل عام في إدلب وتحديدا الأزمات الصحية جراء انتشار كورونا، قال الشاب السوري، إن الجميع يبذل قصارى جهده لحماية عائلته من فيروس كورونا المستجد، خصوصا بعد ظهور سلالة الجائحة الجديدة، كما أن الكثير يشكو غياب الكمامات وعدم وجود مواد التنظيف، إلى جانب قلة المال لشراء مطهرات وأدوية واقية، هذا كله أيضا إلى جانب السيول التي أغرقت كل شيء.

 

تجدر الإشارة إلى أن اللاجئ السوري يعيش مأساة كبيرة في البلاد التي نزحوا إليها.

 

قسوة الأمطار والصقيع

 

وخلال الشتاء من العام الجاري 2021، فقد امتلأت المخيمات في الأشهر الأخيرة بالثلوج والمياه، بالإضافة للوحول التي دخلت إلى قلب الخيام، وسط قلة وجود وسائل التدفئة.

 

في المقابل تقسو الأمطار والسيول أيضا، على سكان مخيم الركبان على الحدود السورية الأردنية الذي يسكنه قرابة 60 ألف سوري.

 

ومن الركبان للزعترى، فالأمر لم يختلف، فالزعترى يعد أحد أكبر المخيمات (شمال شرقي العاصمة عمّان) المعاناة مستمرة فيه، حيث يشكو العديد من اللاجئين السوريين من عدم توفر الإمكانيات لمقاومة فصل الشتاء، وتسريب مياه الأمطار إلى "الكرافانات" خلال المنخفض الأخير، بالإضافة إلى نقص في الأغطية والمدافئ.

 

وعلى حدود تركيا والعراق، آلاف الأسر السورية النازحة لم تذق طعم الراحة طيلة العام الجاري، الصقيع القارس جمد الفارون من جحيم النظام على حدود تركيا قبل أيام.

 

الأمر أيضا لم يختلف على الحدود الأردنية مئات العالقين جراء السيول المدمرة التي ضربت الحدود السورية الأردنية مطلع العام الجاري.

 

وفي العراق مئات الأسر تعاني الأمرين بين الهروب من داعش والجماعات الكردية المسلحة وبين حرارة الصحراء العراقية الحارقة في الصيف، وبرودة الشتاء.

 

وخلال السنوات الماضية، نزح ملايين المدنيين السوريين إثر قصف النظام مدنهم إلى المناطق القريبة من الحدود التركية السورية، حيث اضطرت مئات آلاف العائلات للسكن في خيام بعد عجزهم عن تأمين بيوت تؤويهم.

 

وتعاني تلك المخيمات انعدام البنية التحتية، فضلا عن تحولها إلى برك من الوحل خلال فصل الشتاء، حيث تتسرب مياه الأمطار إلى الخيام بعد تعرض أقمشتها للاهتراء بسبب حرارة الصيف.

 

 

 

 

 

اعلان