ماكرون.. الرئيس الفرنسي

ماكرون.. الرئيس الفرنسي

أسامة غريب

أسامة غريب

10 مايو 2017

 

أسفرت الجولة الحاسمة للانتخابات الفرنسية عن فوز إيمانويل ماكرون بنسبة 66.5 في المائة وهي نسبة كبيرة لدى الديموقراطيات الغربية، واندحرت مارين لوبن بعد أن تحالف ضدها اليمين واليسار خوفًا من أفكارها المتطرفة ومناداتها بطرد المهاجرين واتخاذ سياسات أقل ودًا تجاه الاتحاد الأوروبي.

 

قبل الانتخابات كانت هناك مخاوف على الرغم من إظهار استطلاعات الرأي تفوق ماكرون، وسبب المخاوف أن هذه الاستطلاعات راوغت مرشحين من قبل وقدمت لهم نتائج مضللة وبالتالي لا يمكن الركون إلى نتائجها، خاصة بعد أن شاهدنا كيف كانت كل النتائج تؤكد فوز هيلاري كلينتون وقدرتها على حسم نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية وبفارق كبير وبرغم هذا تفوق عليها ترامب.

 

سبب آخر كان يدعو أنصار ماكرون للقلق هو معرفتهم أن الناخب ذو المزاج المتطرف الذي يميل لمنح صوته للمرشح الذي يتسم بالفاشية والرغبة في حرق الخصوم وحل المشكلات بطريقة لا تراعي الأعراف أو حقوق الإنسان. هذا الناخب يخجل من البوح بموقفه هذا إذا ما اضطر للمشاركة في استطلاع رأي أو استبيان أو حديث صحفي، لكنه ما إن يقف وجهًا لوجه أمام الصندوق حتى يفرج عن الذئب الذي يعوي داخله فيصوت للمرشح الفاشي المتعصب، وكان مما يزيد الخوف أن أعداد هؤلاء الناخبين في ازدياد مستمر، فحقائق الحياة في أوروبا وضيق فرص العمل بفعل حركة الهجرة من بلاد الجنوب، فضلًا عن العمليات الإرهابية التي ضربت أماكن عدة في باريس ونيس ولندن وبروكسل وبرلين ومدريد في السنوات الماضية. كل هذا جعل الناخب أقل تسامحًا وأكثر استعدادًا للتصويت لأصحاب الأفكار العنصرية ولو خاصمت روح الديموقراطية!

 

المزاج الفرنسي ما زال يريد أن يحفظ لموطن الثورة الفرنسية التي نصت على الإخاء والمساواة احترامه واختلافه عن غيره من الشعوب التي لم تجد حرجًا في التصويت لعنصريين ومحرضين على قتل الأبرياء.

 

لكن وضح أن المزاج الفرنسي ما زال يريد أن يحفظ لموطن الثورة الفرنسية التي نصت على الإخاء والمساواة احترامه واختلافه عن غيره من الشعوب التي لم تجد حرجًا في التصويت لعنصريين ومحرضين على قتل الأبرياء. هذا على الرغم من أن فرنسا ليست مبرأة تمامًا من التعصب الذي يطبع جانبًا من مواطنيها ويجعلها آخر مكان مناسب لمن يرغب في الهجرة والحصول على الأمان والسلام، فهي ليست كالسويد وبلاد الشمال الأوروبي وليست كإنجلترا التي تحترم التنوع بشكل حقيقي ودون ادعاء.

 

وهناك مفارقة يمكن رصدها بالنسبة للناخب العربي أو المسلم الذي يستوطن فرنسا قادمًا من بلاد القهر والتعصب والكراهية. هذا الناخب قد يكون من الجماعات الإسلامية المتطرفة التي ترفض الآخر المختلف، فيعادي المسيحيين في بلده الأم ويكره المسلمين الشيعة ولا يعترف بحقوق للبهائيين أو لأي طرف يختلف عنه، ومن الطبيعي والحال هكذا أن يقوم هذا الشخص بالتصويت لصالح اليمين المتطرف الذي يشاركه الكراهية والرغبة في حرق الآخر، لكن المشكلة أن اليمين المتطرف بالغرب يعاديه هو شخصيًا ويفزع منه هو شخصيًا، وهو لم يقم بالأساس إلا ردًا على وجود هذا المتطرف الإسلامي. لهذا فإن الناخب المسلم المتعصب سوف يصوت بالتأكيد لصالح المرشح (العلماني الملحد!) ومرشح اليسار أو المرشح الليبرالي الذي يدافع عن الحريات وحقوق الأقليات ولا يرفض وجود المسلم في بلاده!

 

في الوقت نفسه قد نجد اليساري العربي أو صاحب الأفكار التقدمية يقوم بالتصويت لأمثال مارين لوبن ودونالد ترامب وتيريزا ماي لأنهم يشاركونه الكراهية للإسلام السياسي ويرغبون مثله في التضييق على اليمين الديني العربي ومنعه من الوصول للأرض الأوربية أو الأمريكية. وهذا لعمري جانب من مأساة العقل العربي الذي تعرض للإهانة على يد الحكام البرابرة حتى أصبح غير قادر على اتخاذ مواقف طبيعية تتسق مع فكره، بل أصبح على استعداد لأن يتقلب بين شتى المذاهب والأفكار المتناقضة من أجل أن يضمن البقاء على قيد الحياة!

 

وعندما نتأمل وصول إيمانويل ماكرون (39سنة) إلى قصر الإليزيه فإننا نكون بإزاء نظرتين: واحدة تبارك صغر سنه وتعتبر انتخابه من دلائل التفتح واستشراف المستقبل، والنظرة الأخرى ترى وصوله لسدة الرئاسة الفرنسية ضرب من التهور والحماقة وذلك لقلة خبرته في بلد اعتاد أن يمنح مفاتيح السلطة به لعواجيز طوال تاريخه، حتى إنه خاض الحرب العالمية الثانية وحاول التصدي للغزو الألماني عام 1940 بقائد تخرج من الكلية العسكرية عام 1893 هو موريس جاملان!

 

المؤسف أن الرئيس الفرنسي أيًا كان عمره وخبرته وأفكاره السياسية وانتمائه الحزبي لن يكون داعمًا للقضايا العربية ولا لحقوق الفلسطينيين.

 

لكن الحقيقة أن الأمور المتعلقة بسن الرئيس أو نوعه (رجل-امرأة) أو عقيدته ليست أمرًا هامًا في البلاد الديموقراطية، والأصل هناك هو الالتزام بالدستور والقانون، وهم يختلفون في هذا اختلافًا بيّناَ عما يحدث في بلادنا حينما تريد أن تتجمل وتتزين ببعض المساحيق الديموقراطية فتأتي بشاب صغير لموقع وزاري أو تأتي بامرأة لمنصب قيادي أو قبطي ليتبوأ مكانًا هامًا، وتكون الاختيارات في حقيقتها عملية نصب، فالشاب الصغير عجوز من الداخل ولا يقل فسادًا عن معلميه الكبار، والمرأة من النوع الوضيع الذي يبوس يد الهانم التي أقعدتها على الكرسي، والقبطي من النوع الذي لا يشرّف الأقباط ولا المسلمين ولا المجوس!

 

عمومًا نتيجة هذه الانتخابات قد تنعكس على الاتحاد الأوروبي الذي تعرض لهزة كبيرة بخروج بريطانيا منه وكان من المنتظر أن يبدأ في الانهيار لو أن لوبن الرافضة لأوروبا الموحدة قد فازت.

 

لكن المؤسف أن الرئيس الفرنسي أيًا كان عمره وخبرته وأفكاره السياسية وانتمائه الحزبي لن يكون داعمًا للقضايا العربية ولا لحقوق الفلسطينيين ولا مناصرًا للثورات العربية وذلك لسبب بسيط للغاية هو أنه ينتمي لمصالح بلاده، ومصالح بلاده بكل أسف يرعاها الحكام العرب المستبدون!