الكُفر الحقيقي

الكُفر الحقيقي

أسامة غريب

أسامة غريب

17 مايو 2017

 

في فيلم المخرج ريدلي سكوت "روبين هود" يوجد مشهد يقف فيه بطل الفيلم "راسل كرو" أمام ريتشارد قلب الأسد العائد من فلسطين بعد آخر جولة في حملاته الصليبية. يتقدم ريتشارد من روبين هود ويسأله: هل تظن أننا نلنا رضي الرب بعد كل ما فعلناه من أجل أورشليم؟ فيأتيه الرد: لا أعتقد أن ما فعلناه يرضي الرب.

 

وهنا يتغير وجه ريتشارد ويكتسي بالغضب، لكن روبين هود يمضي قائلًا: عندما أتذكر مذبحة عكا التي نفذناها وقمنا فيها بذبح أكثر من 2500 امرأة وطفلًا تقفز أمام عيني صورة امرأة مسلمة لا أنساها أبدًا. حين كان السيف يرتفع في الهواء قبل أن يهوي على عنقها، نظرتُ إلى عينيها فلم ألمح فيهما الرعب ولا حتى الغضب. وجدت وجهها هادئًا وكانت تنظر نحوي في اشفاق، وأدركتُ فيما بعد أنها عرفت أنه في اللحظة التي قررنا فيها أن نذبح الأبرياء العزل فإننا قد صرنا كفارًا.

 

وأتصور أن بنيامين بن إليعازر وزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي السابق والصديق الصدوق للحرامي حسني مبارك قد واجه ذات النظرة حين كان قائدًا لوحدة شاكيد في يونيو67 وهو ينظر في أعين الجنود المصريين العزل الذين وقعوا في الأسر قبل أن يقوم بدفنهم أحياء. وأغلب الظن أن شهداء هذه المذبحة وهم في لحظاتهم الأخيرة لم يكرهوا الرجل ولم يحقدوا عليه، لكنهم رثوا لحاله وأشفقوا عليه من هول ما كان مقدمًا على ارتكابه، وذلك لأنهم أيضًا قد أدركوا أنه في اللحظة التي بدأ يهيل فيها عليهم التراب قد صار كافرًا.

 

ولا يفترق عن هذا المثال السفاح الصربي رادوفان كاراديتش وزميله راتكو ميلاديتش اللذان قادا مذبحة سربنيتشا التي راح ضحيتها الآلاف من مسلمي البوسنة مع ترحيل عشرات الآلاف من الكروات في عملية تطهير عرقي فظيعة لأجل إقامة دولة صربية في البوسنة. وقد حدثت المذبحة على مرأى من الكتيبة الهولندية التي كانت تتواجد بمدينة سربنيتشا تحت علم الأمم المتحدة، عندما قام السفاحان الصربيان بعزل الذكور بين 14 و50 عامًا عن النساء والأطفال قبل أن يتم إطلاق النار عليهم ودفنهم في مقابر جماعية، ثم استدار الجنود الكفار للنساء وأقاموا حفلات اغتصاب في الهواء الطلق استمرت عشرة أيام! من المؤكد أن كاراديتش ورفيقه الإرهابي قد واجها نظرات الإشفاق من الضحايا. الإشفاق من المصير الذي ينتظرهما. وليس الحكم بالسجن 40 عامًا على يد المحكمة الجنائية الدولية الذي صدر ضد كاراديتش هو ما نقصده بالمصير المنتظر وإنما نقصد الجحيم الأبدي الذي سيكون مستقرًا لأمثالهما من الكفار.

 

لكن ترى هل هناك بين من يسكنون معنا ويتكلمون لغتنا ويأكلون طعامنا من يستحقون ذات الشفقة التي استحقها ريتشارد وبن إليعازر وكاراديتش؟ نعم هناك الكثير بكل أسف ممن يستحقونها ويحصلون عليها، فرجل الأمن الذي ترتفع كفه لصفع إنسان فإنه قبل أن تلامس يده الملعونة وجه الضحية يكون قد خرج من رحمة الله والتحق بمملكة جهنم حتى لو كانت زبيبة الصلاة تملأ وجهه أو كان صليب المسيح موشومًا بمعصمه. من يضرب أسيرًا لا حول له ولا قوة فإنه يؤذي نفسه بشدة ويصيب ضميره بالتسمم ويخرب روحه بيده، فيظل بعضه يمزق بعضه من الداخل دون أن يدري حتى ينعكس هذا على الوجه الذي يطالعه في المرآة. ولا يمكن أن تصادف أحد الجلادين مهما بدا وسيمًا إلا والنظرة المتأنية لوجهه تكشف أن قوي الشر تتصارع داخله وأن مزيجًا من الجبن والخسة والنذالة تطحن بعضها، ويظهر هذا أكثر ما يظهر حين يبتسم، وليجرب أحدكم أن ينظر في وجه أي من هؤلاء عند الابتسام وسيراعه أن يري وجه كلب!

 

وقد سمعت من طبيب نفسي أعرفه أن واحدًا من هؤلاء لا يستطيع أن يضاجع امرأته إلا بعد أن يقوم بتعذيب عدد من الأبرياء وأنه لا يستعد لهذه المهمة بحبة فياجرا كما يفعل زملائه، لكنه يستجمع الدم في عروقه من خلال سماعه لصوت الأنين ورؤيته للدماء تغطي وجوه الضحايا بعد وصلة تعذيب!

 

هذا هو الكفر الذي يجب أن يتحدث عنه الجميع وأن يدينه الجميع وليس عقائد المسيحيين أو البهائيين أو المسلمين المختلفين في المذهب. الكفر هو أن ترفع سيفك في وجه الأبرياء العزل. وما نظرات الإشفاق على وجوه الضحايا إلا رفرفات تحمل الكافر وتشيعه إلى مملكة الشيطان حيث ينتظره الجحيم الأبدي.