
لبيك أبا إيفانكا.. لبيك

أسامة غريب
24 مايو 2017
أحيانًا يبدو للبعض أن الحرب التي تدور على الأرض السورية هي حرب عبثية بلا معنى، لكن الحقيقة أنها واضحة الأهداف والمعاني. ما يبدو على السطح هو أن قمع بشار الأسد الوحشي للثوار الذين خرجوا يطالبون بالحرية والكرامة قد اضطر هؤلاء إلى حمل السلاح فبدأت الحرب، لكن هذا يبدو اختزالًا مخلًا لحقيقة الحرب وأهدافها.
ليس خافيًا أن إيران وهي تسعى لدفع شبح العدوان الذي تهددها به أمريكا وإسرائيل قد تمددت ونشرت نفوذها على الأرض العربية في كل من العراق وسوريا ومن قبلهما لبنان، وأصبح اتصال خط الإمداد بين إيران والجنوب اللبناني عبر العراق وسوريا هدفًا لا تغفل عنه طهران لحظة واحدة، لأن هذا الاتصال يشكل الرادع الحقيقي لكبح نوازع الشر الإسرائيلية ومنعها من قصف إيران كما استسهلت من قبل قصف مصر وسوريا والعراق ولبنان والأردن وتونس والسودان لدى استشعارها الخطر القادم من هذه البلدان.
وقد يشكل هذا الطرح الإجابة على سؤال داعش الذي حير الناس كثيرًا، مَن هم؟ ومن أين أتوا ولماذا في هذه المنطقة بالذات؟ لقد تم السماح لداعش بالنشوء والتواجد في هذا الجزء من سوريا (الرقة ودير الزور) وهذا الجزء من العراق (الموصل) من أجل قطع الطريق على إيران ومنعها من الحصول على طريق سالك من طهران لبيروت. لقد استغلت أمريكا وإسرائيل المهاويس من المتطرفين الذين يحفل بهم العالم العربي والإسلامي لتدغدغ خيالهم بحلم دولة الخلافة، ولم تتردد بعض الدول الخليجية في تقديم المال والسلاح، كما أن تركيا كفلت لهم التدفق من حدودها إلى الأرض السورية والعراقية لهذا الهدف الذي يحقق صالح إسرائيل بتجريد إيران من ورقة حزب الله والممر الذي يمكن عند اللزوم أن تندفع منه القوات الإيرانية والميليشيات الشيعية إذا ما وقعت حرب فعلية بين إيران وإسرائيل.
وقد يوضح مسار تقدم قوات داعش في العراق حقيقة الأمر عندما قام الدواعش بالسيطرة على الموصل. هنا لم يحرك الغرب ساكنًا، في حين أن أمريكا وأوروبا قد انتفضتا عندما استدار الدواعش نحو أربيل وفشلت قوات البيشمركة الكردية في وقف الزحف الداعشي في قضاء سنجار. تم حينها على وجه السرعة فتح مخازن السلاح الغربية للأكراد مما مكنهم من صد تنظيم الدولة، الأمر الذي دفع التنظيم للتقدم صوب الأرض السورية والسيطرة على دابق شمال حلب ثم حلب نفسها والرقة ودير الزور، لعل معركة عين العرب أو كوباني التي وقعت بين الأكراد السوريين وتنظيم الدولة توضح الانحياز الشديد للأكراد عندما منع الغرب المدينة من السقوط وساعد الأكراد على الصمود. صحيح أن تنظيم داعش هو صنيعتهم لكنهم لم يترددوا في محاربته بضراوة عندما بدأ يشتغل لحساب نفسه بعيدًا عن خطط صانعيه!
ولعل الهزائم والانكسارات التي مني بها تنظيم الدولة الإسلامية في مواجهة جيش سوريا النظامي قد أصاب الأمريكان والإسرائيليين باليأس من أن يتمكن طويلًا من السيطرة على بوابات الحدود بين سوريا والعراق، فاتجهوا إلى مساندة الأكراد السوريين الذي شكلوا قوات سوريا الديموقراطية ووحدات حماية الشعب فاعتمدوا عليها في الدور الذي فشل الدواعش في أدائه. لكن كان من مخاطر هذا الاعتماد أن شعر الأتراك بالخطر، لأن انتصار أكراد سوريا واقترابهم من أكراد العراق الذين استقلوا بالفعل بإقليم كركوك عن الدولة العراقية من شأنه أن يقوي النزعة الانفصالية عند أكراد تركيا الذين لا ينقصهم العناد والرغبة في تكوين إقليم ذي حكم ذاتي أو دولة كردية.
لا يتوقف الإسرائيليون وحلفاؤهم الأمريكان عن التفكير في كل الاحتمالات والبدائل. ماذا لو وقفت تركيا عائقًا دون تقدم الأكراد واستيلائهم على المدن والأراضي التي يحتلها تنظيم الدولة؟ وماذا لو نجح بشار الأسد بمساعدة الإيرانيين والروس في لجم التقدم الكردي ووضعوا أيديهم في يد تركيا التي تشاركهم الخوف من الأكراد؟ هنا كان الحل الذي أخرجه الرئيس ترامب ومعاونوه وهو أن يدفع السعودية وأصدقاءها العرب إلى أن يخوضوا غمار هذه الحرب ضد إيران بأنفسهم في حال فشل الدواعش والأكراد في سد الممر الواصل بين طهران والحدود الإسرائيلية!
لقد تعودت السعودية على الدوام أن تقوم بالحروب من أجل أمريكا من وراء ستار. حدث هذا في أفغانستان وفي حرب الخليج الأولى وفي غزو العراق وفي الحرب الحالية بسوريا. المرة الوحيدة التي أقدم فيها السعوديون على الحرب بأنفسهم كانت في اليمن ضد الحوثيين وقوات صالح، ولعل ضعف الخصم والفارق الهائل في التسليح في الحرب باليمن قد أغرى السعوديين بالموافقة على خطة ترامب هذه المرة بعد أن يبيع لهم أسلحة متقدمة بكميات هائلة ليحاربوا الإيرانيين بأنفسهم، وربما أن الشكوى السعودية من امتناع بعض الدول عن المشاركة بجيوشها في حرب اليمن ومن بينها مصر وتركيا وباكستان قد دفعت ترامب ليتدخل بنفسه لمساعدة السعودية في إقامة حلف سني لمحاربة إيران، ومن الواضح أن أعضاء هذا الحلف لا يجدون غضاضة في أن يعملوا تحت قيادة بنيامين نتانياهو شخصيًا، وقد يفسر هذا غياب أردوغان عن الاجتماع الترامبي الإسلامي وكذلك غياب رئيس وزراء باكستان.
من الجيد أن مصر لم تنزلق إلى حروب خارج حدودها ولم تمتثل للرغبة السعودية في استخدام جيش مصر كما تفعل بجيوش دول أخرى تحارب في اليمن من أجل المال لتحقيق نصر سعودي. ولكن من السيء جدًا أن يشير ترامب وبعض معاونيه إلى جيش مصر باعتباره أكبر جيش سني في المنطقة!
لا يا سادة جيش مصر ليس سنيًا ولا شيعيًا ولا هو جيش طائفي، فهو جيش مصري يتشكل ضباطه وجنوده من المصريين بمسلميهم ومسيحييهم ولا شأن للدين بتكوينه أو بعقيدته القتالية، وندعو الله أن يظل كذلك بعيدًا عن خطط ترامب وغلمانه!