
عن النصر والهزيمة

أسامة غريب
31 مايو 2017
الانتصارات تداري السوءات لكن الهزائم هي التي تكشف الأخطاء، وفي مباريات كرة القدم قد يقدم الفريق أسوأ أداء ومع ذلك تخرج جماهيره سعيدة لأنه حقق الفوز.
والهزائم أنواع وأكثرها وقعًا هي الهزيمة بالضربة القاضية، فهي فضلًا عما تلحقه بالمهزوم من أضرار مادية كالجروح والتمزقات والتورمات فإنها تمس كرامته وكبرياءه الشخصي، وذلك لأنها تذكره بفشله وتقصيره في حماية نفسه حتى إنه لم يتوقع الضربة فباغتته ونالت منه من حيث لم يحتسب. لهذا فإن الضربة القاضية تملأ نفس المهزوم بالغضب وتشعل رأسه بالحنق والثورة وتجعله يعقد العزم على الثأر مهما كلفه الأمر من جهد ومشقة واستعداد وتدريب.
وعلى العكس من هذا فإن الهزيمة بالنقاط أدعي للتراخي فهي تجعل المهزوم في معظم الأحوال راضٍ عن أدائه فيظن أن ما حدث هو تعادل أو نتيجة أقرب للتعادل وذلك على الرغم من أن الهزيمة بالنقط هي هزيمة كاملة! وربما أن المثال الأبرز للهزيمة بالضربة القاضية هو ما وقع للدول العربية في الخامس من يونية عام 1967 عندما باغتنا الإسرائيليون وانقضوا علينا فألحقوا بنا أفدح الأضرار وتمكنوا من تدمير جيوشنا واحتلال أراض مصرية وسورية وأردنية وفلسطينية. ومن الطبيعي أن الغضب الذي صاحب الهزيمة كان هو الوقود الذي ألهب عزيمتنا وجعلنا نثأر في حرب أكتوبر 73.
مأساتنا في العالم العربي الآن أننا مهزومون بالنقاط، وهذا لا يجعلنا نشعر بفداحة الحالة التي تردينا إليها حتى أصبحنا عالة على الدنيا كلها. ربما لا تكون هناك لكمات مباشرة تعصف بالرأس وتمزق الوجه، وإنما هناك سوس ينخر في البدن ويسحب منه ماء الحياة نقطة نقطة.
وربما لهذا السبب فإنني على العكس من كثيرين أستبشر وأشعر بالتفاؤل عندما يصل إلى الحكم في إسرائيل صقور الليكود المتوحشون من أمثال شارون وشامير وليبرمان، ويضايقني الحكم الذي يتولاه أمثال بيريز ورابين. والسبب طبعًا أن المغفلين بيننا يتبنون الخطاب الغربي المراوغ الذي يصف زعماء حزب العمل الإسرائيلي بالحمائم ويتحدث عنهم باعتبارهم رجال دولة يمكن الوثوق بهم وعقد اتفاقات سلام معهم! لكن مع المجرمين الأقحاح الذين لا يدارون سوءاتهم فإن الشر يطفح وتنطلق شتائم شارون ووصفه للعرب بالصراصير الذين يستحقون السحق، كما يندفع ليبرمان في وقاحته فيشتم العرب جميعًا ويهدد بتدمير السد العالي وإغراق مصر. والأمر نفسه ينطبق على الأنظمة التي تمارس الحكم الوحشي وأبرز أمثلتها النظام الحاكم في سوريا ونظام المقبور صدام ورفيقه القذافي وغيرها. هذه الأنظمة أراها أفضل وأكثر إثارة للوعي من أنظمة أخرى ناعمة تمارس الاستبداد والظلم بهدوء دون أن تجعل الدماء تصل في النافوخ لدرجة الغليان ودون أن تجعل المواطن راغبًا في الثأر!
إني أعتقد أن الألمان واليابانيين قد نهضوا من تحت ركام الحرب العظمى الثانية بسبب أن الهزيمة كانت ساحقة ماحقة لم تترك فرصة لأي متنطع ليجادل ويحاول تحويلها بالمهرجانات الإعلامية إلى نصر! ولقد كان من الممكن أن يستمر جوبلز يسوق أكاذيبه لو أن القوات الألمانية قد استمرت في تحقيق الانتصارات في ميادين القتال. ما أوقف الهراء الإعلامي هو الهزيمة وليس شيئًا آخر. حتى أفكار سيادة الجنس الآري كان يمكن للشعوب التعيسة أن تتبناها وتصدقها وتظن في نفسها عدم الجدارة. ما نسف هذه الأفكار ليس فسادها ولكن الهزيمة العسكرية لأصحابها، والدليل أن شعوبنا تحمل نفس الشعور بالدونية في مواجهة أعداء هتلر المنتصرين رغم أنهم لم يدّعوا أنهم الجنس المميز!
لقد ظللنا طويلًا نتمثل ونقلد الإعلام النازي في أساليبه ووسائله، حتى إن عبد الحليم حافظ غنّى أغنية قبل الهزيمة تقول كلماتها: أحلف يمين بالله تعالي، أحلف بقوتنا الفعالة، الاتحاد الاشتراكي العربي. نختاره مبدأ ورسالة.
كان هذا هو القسم الذي أقسمه عبد الحليم حافظ من كلمات صلاح جاهين في أغنية المسؤولية، وهي نفس الأغنية التي قال فيها: نفوت على الصحرا تخضر.
كان المستمع في مصر يهتز كيانه وهو يردد القسم وراء حليم، ورغم غرابة أن يقسم الناس على اختيار الاتحاد الاشتراكي كمبدأ ورسالة فإن أحدًا لم يتوقف في غمرة الانتشاء بالحلم ليسأل ماذا يعني هذا الكلام الفارغ؟ ولماذا ترك الشعب الذي أقسم على هذا. لماذا ترك السادات يتنكر لحتمية الحل الاشتراكي ويختار اللصوصية بديلًا! لكن المثير في الأمر هو أننا كان يمكن أن نستمر حتى اليوم في ترديد هذه الكلمات لو أن أصحابها قد انتصروا ونجحوا في تأسيس دولة منيعة تصد الأعداء وتهزمهم وتحقق لأبنائها تنمية شاملة حتى دون تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا في كل قرية، فالناس كان يكفيها مياه نظيفة وصرف صحي وشوارع مرصوفة وتصنيع زراعي في القرية.
كان يمكن أن يظل الاتحاد الاشتراكي هو تنظيمنا السياسي الذي يحلم الصغار أن يكبروا ليدخلوه وأن تكون منظمة الشباب الاشتراكي هي وعاء الوطنية الجامع. كان يمكن أن نخالف العالم الذي تنازل عن أحلام الاشتراكية بهزيمة المعسكر الشرقي وأن نحقق أحلامنا في إطار الاشتراكية، ولم يكن الناس ليأبهون كثيرًا لمسائل الديموقراطية والحريات السياسية والأحزاب وتداول السلطة لو أن أهل الحكم حققوا انتصارات ونجاحات في وجه الأعداء وفي مواجهة الفقر والجهل والمرض. كان الناس على استعداد أن يؤجلوا الحديث عن حقوق الإنسان ويكتفوا بحقوق الخروف فقط لو أننا هزمنا إسرائيل ورددناها على أعقابها.
الرأسمالية بكل عوارها وفسادها استمرت وسادت لأن أصحابها انتصروا دائمًا. لو أن الاتحاد السوفييتي هزم الغرب لكان نموذجه هو المسيطر ولكانت اشتراكيته قد غزت كل قرية أمريكية. الانتصارات قادرة على تسويق أحط النظريات السياسية والاقتصادية والإعلامية، بينما الهزائم تكنس نظريات المهزومين حتى لو ارتبطت بالأحلام النبيلة، فما بالك لو كانت هذه النظريات مرتبطة بشعارات لا تجد طريقها للتنفيذ، وبخوار عسكري صريح، مع تعلق نفسي بالأشخاص دون المباديء من جانب أناس لا يجدون غضاضة في الحلف بالميثاق وباللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي!
الضربة القاضية قد تكون ما نحتاجه، لأن الهزيمة بالنقط أثخنتنا دون أن تغضبنا!