زوبعة في قصرية !

زوبعة في قصرية !

أسامة غريب

أسامة غريب

07 يونيو 2017

 

عبرّت الأزمة الخليجية التي كانت مكتومة لفترة طويلة عن نفسها بشكل حاد تمثّل في قطع العلاقات مع قطر الذي قامت به كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر.

 

في البداية يتعين الإجابة على السؤال عن محور التناقض بين هذه البلدان وبين قطر، فالأخيرة تتماهى مع الموقف السعودي الإماراتي في اليمن وتحارب قواتها في إطار التحالف الذي تقوده السعودية لقتال الحوثي وصالح، كما أن قطر أيضًا تشارك المملكة موقفها من الأزمة السورية وتساند الجماعات السورية المعارضة ومن بينها جماعات تكفيرية منبثقة عن تنظيم القاعدة كجبهة النصرة. لكن الخلاف في حقيقته يكمن في عدم التماهي التام مع الأجندة السعودية في كل بنودها، فالسياسة السعودية تعادي جماعة الإخوان المسلمين في مصر، لكن قطر لا تتردد في دعم الإخوان وتوفير المأوى والملاذ لهم، لكن القطريين يردون على هذه النقطة بأن السعودية قد عقدت تحالفًا مع حزب الإصلاح في اليمن وهو جماعة إخوانية، فكيف تعارض إخوانًا هناك وتؤيد نظراءهم هنا؟

 

لكن بعيدًا عن كل هذا يجب أن نفهم أن دول الخليج ولئن امتلكت المال فهي لا تمتلك الصلاحية لاتخاذ مواقف مستقلة بعيدًا عن الأجندة الأمريكية التي يأتي الانحياز لإسرائيل على رأسها، وهي عندما تلعب سياسة في المنطقة فإنها لا تبتعد عن تنفيذ الأدوار المكلفة بها من قِبَل الراعي الأمريكي. والمأساة تكمن في أن الراعي الأمريكي يمنح الدول والدويلات العربية تكليفات متناقضة تزيد الحروب والصراعات وتصب البترول على النار بالنسبة للخلافات العربية، فعلى سبيل المثال توعز السياسة الأمريكية إلى طرف عربي بدعم حكومة طرابلس في ليبيا وتزويدها بالمال والسلاح، بينما توعز في نفس الوقت لأطراف عربية أخرى بتأييد الجانب الآخر في بنغازي ودعمه بالمال والسلاح والتأييد السياسي!

 

هذا هو جانب واحد من المسخرة العربية إذ أنه لا توجد مصالح قطرية على الإطلاق في ليبيا تدعوها لتأييد أحد طرفي الصراع هناك، كما لا توجد أيضًا أي مصالح إماراتية في ليبيا تجعلها تنحاز للطرف الآخر الذي تعاديه قطر. هي أوامر أمريكية يتم تنفيذها بلا تبصر ويضيع فيها الدم العربي والمال العربي. وإذا كانت المملكة العربية السعودية كدولة إقليمية كبيرة تمتلك مصالح هنا وهناك ولديها إيديولوجية فكرية تسعى لنشرها في بلاد المسلمين تؤكد بها الزعامة وتحمي بها العرش، فإنه لا مبرر على الإطلاق لانخراط المشيخات الصغيرة في السياسة الدولية على هذا النحو المريب، ذلك أن هذه المشيخات لا تتعرض لأي خطر يهز الكراسي، فالشعوب هناك تحب حكامها ولا توجد لديها أسباب للثورة أو لمعارضة الحكم أو حتى نية للمشاركة السياسية ومحاسبة المسؤولين. المال الوفير يجعل المواطنين محدودي العدد يعيشون في بحبوحة ويؤيدون حكامهم ولا يريدون لهم بديلًا، فلماذا التدخل في شؤون الآخرين ودعم هذا الطرف ضد ذاك؟ لا إجابة سوى أن الراعي الأمريكي وخلفه الذيل الإسرائيلي هما أصحاب المصلحة فيما يحدث.

 

إذن الصراعات والخلافات التي تحدث بين صبيان البلطجي الأمريكي ليست بين الحق والباطل ولا بين طرف يؤيد الإرهاب وطرف يعارضه، وإنما هي صراعات في الحيز المحدود الذي سمح ترامب بتمدده قليلًا بعد أن قبض المعلوم في زيارته للرياض. هذا المعلوم جعله يفسح صدره ويمنح أذنيه للشكاية من الصبيان والدس لبعضهم البعض عنده، وربما أن ابتسامته المتهكمة التي لا تعني شيئًا قد جعلت البعض يتصور أنه يعطى الضوء الأخضر لتحرك بعض الأشقاء نحو البعض الآخر، ولو صحت التقارير التي تشير أن زيارة ترامب كانت المحفز الأساسي لقطع العلاقات مع قطر فإن هذا الإجراء كان شديد الكلفة، وقد تقاضي الرئيس الأمريكي في مقابله 460 مليار دولار. وهنا قد يجوز لبعض الظرفاء أن يتندروا على هذا السفه ويقولون إن جزر المالديف قد اتخذت الإجراء نفسه وقطعت العلاقات مع قطر دون أن تدفع دولارًا واحدًا. وهذا لعمري يشبه المحامي الشاب الذي توجه لأهل المتهم باللوم الشديد لأنهم أحضروا لابنهم محام كبير ومتصيّت تقاضى منهم خمسة مليون جنيه ثم حصل لهم في النهاية على حكم بإعدام المتهم. قال المحامي الشاب: قد كنت أستطيع أن أحصل لكم على نفس الحكم بالإعدام مقابل عشرة آلاف جنيه فقط!