نصر إسرائيلي بلا ثمن !

نصر إسرائيلي بلا ثمن !

أسامة غريب

أسامة غريب

14 يونيو 2017

 

عندما صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم أرض فلسطين بين العرب واليهود عام 47 كان من الطبيعي أن يرفضه العرب ولا يستجيبون له لأن الأرض المراد تقسيمها هي أرضنا، ولكن بعد الهزيمة في حرب 48 انخفض سقف المطالب العربية وارتفعت الأصوات الداعية إلى قبول قرار التقسيم والعودة إلى خطوط ما قبل الحرب.

 

ثم يقع العدوان الثلاثي على مصر عام 56، وقبل وقوعه لم تكن مصر تسمح للسفن الإسرائيلية بالمرور من القناة، ولكن كنتيجة للعدوان فقد كسبت إسرائيل الحق في المرور. ومرة أخرى تتعاظم المكاسب الاسرائيلية كما يزداد حجم الحقوق المطلوب استردادها فتخفت الأصوات المطالبة بعودة فلسطين كاملة وتظهر أصوات عربية تطالب بقبول دولة واحدة تضم العرب واليهود. ثم تأتي صاعقة 67 ويتم احتلال سيناء والجولان والضفة وقطاع غزة ليتسع الخرق على الراتق وتزداد المهمة صعوبة ويصبح التفكير في تحرير فلسطين حلما بعيدًا بعد أن أصبحت ازالة اَثار عدوان 67 هي القضية الأولي بالاهتمام، وتتضاءل مطالب العرب وتصير أغلي أمانيهم هي العودة إلى حدود 4 يونيو والاكتفاء بالضفة وغزة لإقامة دولة فلسطين. (وربنا يعوض علينا في حيفا ويافا وعكا وعسقلان والنقب). ثم يزداد الموقف تدهورًا بخروج مصر من المعادلة بعد كامب دافيد، وينخفض سقف المطالب العربية ويقبل الفلسطينيون بالفتات في دوامات مدريد واوسلو وواي ريفر. ثم لا يحصلون على شيء!

 

هذا النهج الذي اتبعته إسرائيل بمواصلة العدوان بشكل مستمر على العرب جعل المجهود العربي يتشتت وتتم اليوم التضحية بمطالب الأمس العادلة، ثم تتواري مطالب اليوم تحت وطأة العدوان الواقع غدا. وهكذا.

 

أعتقد أن هذا النهج الإسرائيلي الذي أثبت نجاحه شجع الأنظمة العربية القمعية على احتذائه وانتهاجه مع شعوبها، فهذه الأنظمة سواء المعتدلة أو الممانعة بينما تتلقي الصفعات من العدو فإنها تستخدم وسائله في المواجهة مع الداخل، وأسلوبها في إخضاع شعوبها هو تكتيك تستخدمه إسرائيل ضد دول الجوار، والكأس الذي يشربه الحكام العرب من إسرائيل هو ذاته ما يذيقونه للساعين إلى الإصلاح وتغيير الواقع التعيس في بلادهم، فقوي المجتمع الحية التي تواجه الاستبداد تفاجأ كل يوم بعدوان جديد يزيد من ركام تعديات السلطة المطلوب ازالتها ويجعل عملية التغيير السلمي أكثر صعوبة. إذ يحتار المرء في ظل العدوان اليومي على حقوق الناس أي الأمور أولي بالاهتمام وأي القضايا ينبغي الوقوف عندها والتركيز عليها وأي الحقوق أولي بالاقتضاء. إن السلطات تقوم بإنهاك الذين يتصدون للتجاوزات ويسعون لنصرة الحقوق عبر ادخالهم في دوامات لا تنتهي، وتفتح عليهم كل يوم أبواب وجبهات جديدة مستخدمة وسائل غير شريفة بالمرة لاتخام الأجندة الوطنية ببنود لا نهاية لها، وبشكل يجعل عملية التفاوض _ بعد الإنهاك الكامل _ مربحة للسلطة في كل الأحوال. وهذا تكتيك اسرائيلي معروف يقوم بالإيغال في العدوان والضغط المستمر ليجعلك تترك أحزان الأمس وتنشغل بمصيبة اليوم وتحاول تحجيم اَثارها.

 

لهذا فإننا نخشى كل الخشية والسلطة توغل في الضغط على المجتمع المصري ومخاصمته وتسعى لتقديم جزيرتي تيران وصنافير على طبق من فضة لإسرائيل. نخشى من أن تأخذ إسرائيل الهدية وبدلًا من أن تقول شكرًا فإنها قد تسارع بمقاضاة مصر واختصامها في الأمم المتحدة وأمام المحاكم الدولية ومطالبتها بتعويضات باهظة، لأنها في يوم 21مايو عام 1967 قامت بإغلاق أحد الممرات الدولية التي يكفل القانون الدولي حرية المرور فيها! نعم. قامت مصر بإغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية وهو منفذها الوحيد للمرور عبر البحر الأحمر، فإذا كان هذا المضيق مصريًا فإنه يحق لنا استخدامه في حالة الحرب ضد عدونا، أما في حال كونه مضيقًا دوليًا فإن من يغلقه فإنما يقوم بعمل من أعمال البلطجة ويتعين عليه أن يدفع ثمن بلطجته. تستطيع إسرائيل أن تتهمنا بأننا نحن الذين تسببنا في الحرب وأننا قمنا بترويع دولة آمنة كانت تريد العيش في سلام، ويمكنها أن تطلب لقتلاها تعويضات بليونية.

 

هذه ليست مبالغة لكنها للأسف ستكون أبسط تداعيات تسليم تيران وصنافير للسعودية، أما التداعيات الأخرى فمعروفة ولا نحتاج إلى تكرارها.

 

وللأسف فإن السلطة وهي تمضي في هذا الأمر غير عابئة بمشاعر الناس فإنها تخسر القوي الحية في المجتمع وتضع نفسها في مواجهة أشرف أبناء الوطن وأكثرهم استعدادًا للبذل في سبيله. ومن المؤكد أن هزيمة هؤلاء هي بمثابة نصر إسرائيلي جديد ستحصل عليه بلا ثمن!