
هولاكو والمستعصم.. بالنعال !

أسامة غريب
21 يونيو 2017
كان هولاكو الرهيب قد وضع نصب عينيه الاستيلاء على بغداد، ولم يعدم الحيلة أو الذريعة لتنفيذ ذلك. كانت سمعته في التدمير والتخريب تسبقه، وكل من سمع بفظائعه التي ارتكبها في كل بلدة غزاها وكل مكان حل به كانت أسنانه تصطك من الرعب.
أرسل هولاكو إلى الخليفة المستعصم رسالة يدعوه فيها إلى هدم حصون وأسوار بغداد وأن يردم خنادقها وأن يأتي إليه بشخصه ويسلمه المدينة، وأوصاه في تلك الرسالة بأن يستجيب حتى يحفظ كرامته وينقذ أهله، وهدده بأنه إن لم يستجب فسيحل به وبلاده الخراب والدمار. ومن رسالة هولاكو أيضًا قوله للخليفة المستعصم منذرًا ومتوعدًا: عندما أقود جيشي الغاضب إلى بغداد، سأقبض عليك سواء اختبأت في الأرض أو في الجنة. سأحرق مدينتك وأرضك وشخصك.
ما كان من المستعصم وكان متخاذلًا ضعيفًا إلا أن استدعى وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي وسأله: ما تدبير أمرنا؟ فرد عليه ابن العلقمي ببيت شعر يقول: يظنون أن الأمر سهلٌ وإنما. هو السيف حدّت للقاء مضاربه.
انخدع المستعصم في وزيره الخائن الذي كان ينسق مع الأعداء ووافق على مشورته بأن يبعث بابنه وولي عهده إلى هولاكو لمفاوضته، فطلب هولاكو إلقاء السلاح وخروج جيش الخليفة بأكمله من بغداد إلى معسكر المغول دون سلاح، وهناك حنث هولاكو بوعده وقام بقطع رؤوس عشرات الألوف من الضباط والجنود على مرأى من سكان بغداد وولي العهد!
بعد ذلك لم يتبق لهولاكو سوى الخليفة والأعيان. الأعيان تكفل بهم ابن العلقمي فجمع سادات بغداد وعلماءها إلى هولاكو حيث قتلهم جميعًا، أما الخليفة فقد فعل ما ذكره ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: وأوهم ابن العلقمي الخليفة وحاشيته أن ملك التتار يريد مصالحتهم وأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصلحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فخرج الخليفة إليه في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والأمراء. وهكذا تم أسر الخليفة وقتله بناء على نصيحة ابن العلقمي الذي قال لهولاكو: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر إلا عامًا أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه.
وعن أحداث تلك الفترة ذكر ابن تيمية في كتابه "منهاج السُنة" عن ابن العلقمي: وكان وزير الخليفة ببغداد الذي يقال له ابن العلقمي منهم (من التتار) فلم يزل يمكر بالخليفة والمسلمين ويسعى في قطع أرزاق عسكر المسلمين وإضعافهم وينهي العامة عن قتال التتار ويكيد أنواعًا من الكيد.
وكان الخليفة المستعصم بالله قد تولى الحكم عام 1242 بعد أخيه الخليفة المستنصر بالله، وشاءت الأقدار أن يكون آخر خلفاء دولة بني العباس بعد أن غزا هولاكو دياره في عام 1258.
ومن مضحكات القدر في قصة سقوط الدولة العباسية أن هذا الخليفة كان يمتلك جيشًا جرارًا يستطيع التصدي لجيش هولاكو لو أُحسن تنظيمه وأنهض همة رجاله، لكن الذي حدث كان العكس حيث كان الخليفة يستمع إلى نصائح وزيره الواردة من هولاكو بضرورة إنقاص الجيش وتسريح أكبر عدد من الجنود حتى لا يتم استفزاز زعيم المغول وإغضابه! وأظن أن هذه النصيحة ما زال معمول بها حتى الآن فيما يخص الجيوش العربية حيث إن مغول العصر الحديث قد فرضوا على العرب قدرًا معينًا من التسليح وعددًا لا يمكن تجاوزه من الجنود، والأنكى أن ما حدث للخليفة المستعصم حدث مثله لصدام حسين عندما أرغموه على تدمير صواريخه وتفتيش مراكز أبحاثه وإعدام علمائه ونبش كل شبر من أرض بلاده بما فيه قصوره الرئاسية، ولما اطمأنوا إلى نزع أنيابه اجتاحوا بغداد في عام 2003 مثلما فعل المغول بالضبط عام 1258.
لا يفتأ التاريخ يذكرنا أن هولاكو لم يقتل الخليفة المستعصم في الحال فور أسره، لكنه انتظر حتى يدله على أماكن الكنوز والنفائس والأموال المخبأة والتي لا يعرف أحد مكانها غيره. بالفعل قام الخليفة العباسي حامي حمى المسلمين بتسليم الكنوز والجواهر التي جمعها بنو العباس طوال خمسة قرون وخبأوها في سراديب، وترك فلول جنوده الذين نجوا من المذبحة يتسولون في الأسواق، حتى إن هولاكو لما بلغه أمرهم صاح متعجبًا: لو أن المستعصم أنفق الأموال على هؤلاء الناس لمنعوه وقاموا بحماية ملكه.
والعجيب أن قائد المغول خشي من إراقة دم الخليفة فلم يجرؤ على طعنه بالسيوف أو الخناجر لأن من معتقدات المغول أن إراقة دم الملوك تجلب اللعنة على فاعلها، فما كان منه إلا أن وضعه في شوال من جلد البقر وأمر جنوده فاستمروا يضربوه بالنعال حتى مات.
هل تكون في هذه الحكاية عبرة للذين يقدمون أموالهم وأموال شعوبهم للأعداء إتقاءً لشرهم؟ هؤلاء أبشرهم بأن العدو سيأخذ المال ثم يضع حبايبنا الحلوين في الشوال ويضربهم بالنعال!